بسم الله الرحمن الرحيم
دورة تربية النفس بالأخلاق المهدوية الحلقة الثانية : كيف نجند أنفسنا لخدمة الإمام المنتظر؟ أستاذ الدورة : خادم أهل البيت والعلم سماحة الشيخ أبو علي العوامي ( حفظه الله ).
الحمد لله الذي حسرت عن معرفة كماله عقول الأولياء، وعجزت عن إدراك حقـيقته أفهام العـلماء واحـد لا شريك له، لا يشبهه شيء في الأرض ولا في السماء، والصلاة والسلام على نبيه الخاتم أفضل خلائقه وأشرف سفرائه وعلى آله البررة الأصفياء والأئمة الأتقياء . سئل الإمام الحسين (1) وكذلك الإمام الصادق ( 2 ) هل ولد الإمام الحجة فقال كل منهما : لا ولو أدركته لخدمته أيام حياتي . الإمام الحسين واإمام الصادق يتمنيان خدمة الإمام الهدي فكيف نجند أنفسنا نحن لخدمة الإمام المهدي ؟
المحور الأول-خطوات تجنيد النفس لخدمة الإمام الحجة. أولاً – المعرفة: كل حركة يقوم بها الإنسان تحتاج إلى معرفة، وتجنيد النفس لخدمة الإمام المنتظر أو الأئمة الأطهار – عليهم السلام – أو ما شابه من أعمال الخير وغيرها يحتاج الإنسان فيها إلى معرفة ؛ فالمعرفة تعد الخطوة الأولى لنجاح الحركة وفي ذلك قال أمير المؤمنين : " ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة " 3 . هنا الإمام يفصح بوضوح أن أي حركة أو أي عمل تقوم به تحتاج أن تكون عارفاً بذلك العمل وأبعاد ذلك العمل ؛ لذلك نجد عندنا في الأعمال العبادية والأعمال المستحباتية والتي من جملتها زيارة الأئمة الأطهار – عليهم السلام – " من زار الإمام عارفاً بحقه غفر الله له " أي لا بد من المعرفة . إن الإمام المنتظر يتأذى من العامل الجاهل ويتأذى أكثر من الجاهل الغير عامل ؛ وكل هذا في دائرة التشيع، لأن الإمام يهمه أمر الموالين فلو أراد أحـدٌ أن يخـدم الإمام وكان جاهلاً ليس لديه معرفة بالعمل ربما يتأذى الإمام من عمله، أي أن الإمام يريد من المؤمنين أن يكونوا دعاة واعيين حتى لا يتأذى بعملهم . ولذلك ورد عنه : " لقد آذانا جهلاء الشيعة وحمقائهم " 4 . فهو جاهل من ناحية ومن ناحية أخرى أحمق والجاهل هو الذي ليس لديه معرفة والأحمق هو الذي يدعي المعرفة دائماً والإمام يتأذى من هذين الصنفين ولذلك نجد في الروايات إن الذي يعمل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح لأنه جاهل فقد ورد " من عمل على غير علم كان ما يفـسد أكثر مما يصـلح " 5 . إذاً : الخطوة الأولى التي نحتاجها في خدمة إمامنا أن نكون أصحاب معرفة حتى نستطيع خدمة الإمام بالطريقة المثلى .
ثانياً – العلم: أن نكون ذوي علم، وفيه بعدان التعلم والتعليم وينبغي في هذا المجال أن نتعلم ونعلم، ومن جملة التعلم التعرف على علامات الظهور حتى لا نصاب بالتضليل من المضللين، فقد يأتي أحد المضللين ويعمل عمل عجيب ويدعي بذلك العمل أنه الإمام الحجة ولكم ادعوا ذلك !أو يقول إن هذه من علامات الظهور فينخدع ذاك البعيد الذي لا يعرف علامات الظهور ويتصور إن هذه علامة من علامات الظهور والحق خلاف ذلك ؛ لذلك ينبغي تعلم كل علوم أهل البيت – عليهم السلام – بقدر المستطاع، ولا سيما في خدمة الإمام المنتظــر – عجل الله فرجه الشريف – ينبغي التعرف على علامات الظهور : العلامات الصغرى، العلامات الوسطى والعلامات الكبرى حتى نعد العدة من ناحية ومن ناحية أخرى نأخذ الحذر والحيطة من الوقوع فيها لذلك نجد البعض يخطأ في فهم معنى الفساد والإفساد " يظهر الإمام إذا امتلأت الأرض ظلماً وجوراً فيملؤها قسطاً وعدلاً " فيعتقد أنه بالإفساد سيعجل ظهور الإمام وهذا تصور خاطيء ؛ التصور الحقيقي أنك إذا أردت أن تشارك في ظهور الإمام ينبغي عليك أن تمهد الطريق وتعبده لا أن تكون أحد المحـاربين للإمـام وعقلاً لا يمكن أن تكون مصلحاً ومفسداً في آن واحد إمّا ذلك أو ذاك . لذلك الإمام يريد من الشيعة أن يكونوا معلمين لبعضهم البعض ومصبرين لبعضهم البعض ولذلك جاء في رواية الإمام الجواد " من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم، المتحيرين في جهلهم، الأسراء في شياطينهم وفي أيدي النواصب من أعدائنا فاستنقذهم منهم وأخرجهم من حيرتهم وقهر الشياطين برد وساوسهم وقهر الناصبين بحجج ربهم، ودليل أئمتهم، ليفضلوا عند الله تعالى على العباد بأفضل المواقع، بأكثر من فضـل السمـاء على الأرض، والعرش والكرسي، والحجب على السماء، وفضـلهم على هذا العـابد كفضل القمر ليـلة البدر على أخفى كواكباً في السماء " 6 . الإمام الجواد يعبر هنا عن الشيعة المنقطع عنهم إمامهم بأنهم أيتام، ويبين الإمـام العسكـري ذلك أيضاً بقوله " من كفل لنا يتيماً قطعته عنا محبتنا بأستارنا فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه قال الله – عز وجل - : " أيها العبد الكريم الموافي لأخيه أنا أولى بالكرم منك، اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعم " 7 . إذاً : ينبغي لنا أن نتعلم ونعلم، ونرشد الناس إلى أن يتعرفوا على الإمام ونعلمهم كيف يرتبطوا به ونجند أبنائنا وبناتنا وأبناء وبنات مجتمعنا في خدمة الإمام وحقيـقة لو أن المجتمع عرف حقيقة حب الإمام لأصبح من أسعد المجتمعات .
ثالثاً – الدعاء: وهو على نوعين : 1 – دعاء خاص بنا . 2 – دعاء خاص به – عليه السلام -. الدعاء الخاص بنا إننا نسأل الله الفرج لنا بفرجه، أمّا القسم الثاني الدعاء له - عليه السلام - وهو أشرف من الأول أي أن ندعـوا له أشـرف من ندعـوا لأنفـسنا ؛ قـال السـيد ابـن طـاووس ( رحمه الله ) : " فإياك ثم إياك أن تقدم نفسك أو أحداً من الخلائق بالولاء والدعاء له بأبلغ الإمكان واحضر قلبك ولسانك في الدعاء لذلك المولى العظيم الشأن ؛ وإياك أن تعتقد إنني قلت هذا لأنه محتاج إلى دعائك هيهات ... هيهات " 2 . وهذا يعد تراثاً ضخماً تركوه لنا أئمتنا يكمن فيه طرق الارتباط بالإمام ومن ذلك الأدعية التي ينبغي أن نتوجه بها ومنها : 1 – الدعاء له بتعجيل الفرج ومنها " اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة لطاعتك والقادة إلى سبيلك " 8 . 2 – الدعاء لنصرته كما ورد عن الإمام الصادق " اللهم إني اسألك بالحق الذي جعلته عندهم وبالذي فضلتهم على العالمين جميعاً .... وارزقنا نصر دينك مع ولي هادٍ منصور من أهل بيت نبيك، واجعلنا معه وتحت رايته شهداء صديقين في سبيلك وعلى نصرة دينك " 9 . 3 – زيارته وجاء في الزيارة التي يزار فيها " واجعلني يا إلهي من عدده ومدده وأنصاره و أعوانه وأركانه وأشياعه وأتباعه ..... " 10 . وقد وردت مجموعة من الأدعية التي تربط الموالي بالإمام كدعاء العهد الذي يقرأ صباح كل يوم فمن أراد أن يصبح من أنصار قائمنا فعليه بهذا العهد ؛ ودعاء الندبة الذي يقرأ صباح الجمعة . ومن طرق خدمة الإمام - عليه السلام - أن تكون هناك مجالس باسمه يجتمع فيها المؤمنون ويقرأون الأدعية لتعجيل الفرج . ونؤكد أنه ينبغي أن نخدم الإمام للإمام لا أن نخدم الإمام لأنفسنا ؛ ومن المؤسف اليوم أن ينصرف البعض في خدمته للإمام انصراف ذاتي لا يقصد في خدمته الإمام لذلك حري بنا أن نلتفت إلى هذا المعنى حتى لا نكون في خدمتنا مقصرين، وخدمتنا تكون من أجل الإمام لا من أجل مصلحتنا . مما يذكر في هذا المجال أن مسجد جمكران في إيران يعج بالناس ليلتي الأربعاء والجمعة، فترى الناس زرافات زرافات فيذهب إليه الكثير من الفضلاء والأجلاء والعلماء والمراجع والكبار والصغار بعضهم مشياً على الأقدام وهذا منظر رائع وجميل أن ترى الموالين متوجهين إلى مكان أقلاً فيه شمّ رائحة إمامهم، وسلطان عصرهم وزمانهم فكيف إذا كانوا يثقون بأن هذا المسجد فيه المُلتقى بالإمام ويعد مسجد السهلة في الكوفة في المرتبة الأولى للتشرف بلقاء الإمام ومسجد جمكران في المرتبة الثانية فمن داوم أربعين أربعاء فيه رزق رؤية الإمام . ومما يروى في هذا المجال أن إحدى النساء وهي امرأة جليلة عابدة نبيلة، في إحدى لياليها ذهبت على عادتها إلى مسجد جمكران، وكانت تعبر للإمام عن فرحها وسرورها أنها ترى الموالين صغاراً وكباراً أتوا إلى هذا المسجد من أجل الإمام – عليه السلام -، ولما انتهت من الصلاة المخصوصة والدعاء المخصوص خرجت ودخلت إحدى الغرف المخصوصة الموجودة في هذا المكان لتستريح، عندئذ هومت عيناها ورأت في عالم الرؤيا الإمام المنتظر- عجل الله فرجه الشريف – فأخذت تخاطبه بمثل ما خاطبته في الحقيقة . قال لها : يا هذه إن هؤلاء لم يأتوا من أجلي ! قالت له : كيف يا سيدي ؟ قال : أكثرهم أتوا لقضاء حوائجهم، تعالي واسمعي، أخذ الإمام يخاطـب هـؤلاء الناس فلان لماذا أتيت ؟ قال : أتمنى قضاء حوائجي . فلانة : لماذا أتيت ؟ قالت : أتمنى بناء داري . فلان : لماذا أتيت ؟ قال كذا ...... وهكذا كل واحد منهم كان له طلبه الخاص، ليس منهم من طلب أن يتشرف بخدمة الإمام . قال : أرأيت يا هذه هؤلاء ما أتوا من أجلي بل أتوا من أجل أنفسهم . لذلك نؤكد أنه يجب علينا أن يكون ما نقوم به من أجل الإمام لا من أجل أنفسنا لأن ما كان لنا ينتهي وما كان للإمام باق مهما طالت الأيام وامتدت .
المحور الثاني – التمهيد لظهور الإمام المنتظر. ينبغي الاستعداد والإعداد لرؤية الإمام ومن جملة ذلك أن نصفي أنفسنا حتى نستطيع أن نؤهلها لرؤية الإمام وعندما نقرأ في تاريخ الماضيين من الرجال والنساء نجد لكم تشرفوا برؤياه وإلى عصرنا الحاضر هناك من يرى الإمام فرؤياه ليست محجوبة وممنوعة في عصر الغيبة إنما هي ممكنة لمن هو أهل لها، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم رؤياه . لذلك لابد أن نعدّ أنفسنا ونطهرها ونجعل عندها القابلية لأعمال الخير ونتحرز من أعمال السوء وما يغضب الإمام والتي من جملتها النزاعات الاجتماعية، الأحقاد، الأحساد وسوء الظن بالناس، لأن كل هذا خلافاً للإعداد والاستعداد المطلوب لرؤية الإمام . قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – : " ويملأ الله به قلوب أمة محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – غنى، ويسعهم عدله " 11 . هذه إشارة إلى الفن المعنوي، أي أن القلوب سوف تملأ بالصفّات العالية وتنظّف من الصفات الدنيئة كالبخل والطمع والحقد والحسد، والتنازع وغيرها من الأشياء التي تشعر الإنسان بالفقر وإن كان جيبه مملوءاً بالمال، ثم أن تلك الأمور الدميمة ( التنازعات والأحقاد ) من شأنها أن تضعف العمل وتأثر على العاملين .
المحور الثالث - تهذيب النفس . إن تهذيب النفس بالأخلاق المهدوية له أبعاد متعددة من جملتها : 1 – زيارته وتوجد زيارات عديدة للإمام وكل زيارة مدرسة وإذا حسبناها جامعة فكل مقطع من مقاطعها هو كلية تربوية خاصة تربي الإنسان ؛ وكـلما كثر ارتبـاطنا بالإمام عن طريق زيارته كلما تهذبت النفس أكثر ؛ وهذا شيء طبيعي لأن النفس حسب ما تغذيها وتربيها فإذا ربيتها على الخير تتربى و تنمو عليه وترفض الشر وتصبح عندها نافرية قباله ؛ والعكس صحيح إذا ربيتها على الشر لا تقبل الخير وتصبح عندها نافرية قباله لأنها تعوذت على الشر . 2 – أن نبحث عن ما يسره فأي شيء يسره يجب أن نسارع إليه من طبع الكتب، نسخ الأشرطة، طباعة الأوراق، تأسيس المؤسسات، إقامة المحافل والمجالس باسم الإمام وهـذا ما نحتاجه نحن وليس الإمام لأن الإمام غني بغنى الله سبحانه وتعالى . 3 – أداء حقوق الإمام المالية، فنحن الموالين في ضيافة إمامنا لأنه علة وجودنا فقد ورد " لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت " وورد في الزيارة الجامعة : " بكم يمسك السماء أن تقع على الأرض " وطالما نحن في ضيافة الإمام يجب علينا أن نتأدب بالآداب الحقيقية للضيافة، ومن جملة تلك الآداب أنه إذا كان له حق يحتاج أن نقدم له هذا الحق ومن حقوقه أداء الأخماس ؛ فالخمس واجب شرعي على كل مكلف رجلاً أو امرأة . والخمس له تفصيله في الفقه، والمتعب فيه أن الإنسان لا يعرفه أما إذا عرفه فهو بسيط لا يكلف شيئاً لكن ينبغي فقط للإنسان أن يحيط به معرفة حتى يجد أنه ليس صعب عليه .
المحور الرابع – تجنيد النفس لخدمة الإمام المنتظر – عجل الله فرجه الشريف – . كل عمل صالح تعمله في الحياة الدنيا اقصده بنيتك للإمام المهدي مثلاً صلاة الجماعة والنوافل قدّم ثواب ذلك العمل هدية إلى الإمام وهذا ليس تفضل منّا على الإمام إنّما هو شرف لنا أن نوفق إلى هذا العمل وأمثاله ؛ فلكم أناس سعوا إلى خدمته ولكنهم لم يوفقوا، لذلك هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى يجب علينا أن نغتنمـها، من أبعاد خدمـته : 1 – أن نقيم المجالس باسمه أي أن أي مجلس من مجالس الذكر ننوي هذا المجلس باسم الإمـام أي ثوابه يكون للإمام . 2 – أن نقيم مجالس خاصة لتعريف الناس بالثقافة المهدوية، واتخاذ هذه المجالس منبراً للدفاع عنه وينبغي أن تكون محافلنا خاصة في توجيه الدعوة إلى الإمام لأنه عندما نقوم بهذه الأعمال قد نحصل على لطف خاص بالإمام وعندما ننظر إلى سيرة علمائنا الأجلاء نجدها أعظم شاهد على ذلك وإليك هذا النموذج . الشيخ الصدّوق ( رحمه الله ) عالم جليل نبيل جنّد نفسه لخدمة الإمام الحجة فكان دائماً عندما توجد مشكلة عقائدية يجند نفسه للرد عليها بالتي هي أحسن ؛ وقد كان هناك نقاش كثير حول الإمام والتكذيب بأن هناك إمام غائب – كما في أيامنا هذه يوجـد من يقـول " ما يضـر الشيعـة أن تكتـفي بإحــدى عشر إمام " هذا وأمثاله ينـكرون وجود الإمـام ويروجون لذلك – فواجبنا أن نتصدى لرد هذه المزاعم وأمثالها .وقدكان الشيـخ الصـدّوق ( رحمه الله ) يتصـدى إلى مثل هذه المزاعم ويجهد نفسه في تحصيل الأدلة القرآنية والروائية للرد عليهم حتى حظي بلطف وعــناية من الإمام فقد ذكر الشيخ الصـدّوق ( قدس سره ) في أوائل كتابه كمـال الدين وتمام النعمة قوله : " إنّ الذي دعاني إلى تأليف كتابي إني لمّا مضيت وطري من زيارة الإمام علي ابن موسى الرضا رجعت إلى نيشابور وأقمت بها فوجدت أكثر المختلفين إليّ من الشيعة قد حيرتهم الغـيبة ودخلت عليهم في أمر القائم الشبهة وعدلوا عن طريق التسليم إلى الأداء والمقاييس فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – والأئمة الأطهار – عليهم السلام – حتى ورد إلينامن بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلدة قم طالما تمنيت لقاءه، واشتقت إلى مشاهدته لدينه وسديد رأيه واستقامة طريقته، وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن . فلما أظفرني الله تعالى ذكره على ما يسّر لي من لقائه، وأكرمني به من إخائه، وحباني به من ودّه وصفائه . فبينما هو يحدثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيين كلاماً في القائم قد حيّره وشككه في أمره، لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكرت له فصولاً في إثبات كونه ورويت له أخباراً في غيبته عن النبي – صـلى الله عليه وآلـه وسلم – والأئمة – عليهم السلام – سكنت إليها نفسه، وزال بها عن قلبه ما كان عليه من الشك والارتياب والشبهة، وتلقى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم، وسـألني أن أصنف له في هذا المعنى كتاباً، فأجبته إلى ملتمسه، ووعدته جميع ما أبتغي، إذا سهّل الله تعالى لي العودة إلى مستقري ووطني بالريّ . فبينما أنا ذات ليلة أفكر فيما خلّفت ورائــي من أهل وولد وإخوان ونعمة، إذ غلبني النوم فرأيت كأني أطوف حول بيت الله الحرام، وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود استلمه وأقبّله وأقول : أمانتي وميثاقي تعاهدتهلتشهد لي بالموافاة ؛ فرأيت مولانا صاحب العــصر والزمان واقفاً بباب الكعبة فدنوت منه على شغل قلب وتقّسم فكر، فعـلم ما في نفـسي بتفرّسه في وجهي، فسلمت عليه فرّد عليّ السلام ؛ ثم قال لي : لِم لا تصنف كتاباً في الغيبة حتى تكفي ما أهمّك ؟ فقلت له : يا ابن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء . فقال : ليس على ذلك السبيل، آمرك أن تصنف الآن كتاباً في الغيبة واذكر فيه غيبات الأنبياء – عليهم السلام – ثم مضى فانتبهت فزعاً إلى الــدعاء والبكاء والبث والشكـــوى إلى وقـت طلوع الفجر، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلاً لأمر ولي الله وحجته، مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه"12. نلاحظ من هذه القصة إن الشيخ الصدّوق كان ملتفتاً للرد على الزاعمين بعدم وجود الإمام بالأدلة القرآنية والروائية، ولم يكن ملتفتاً للرد عليهم بغيبة الأنبياء – عليهم السلام – من قبل ذلك مثل غيبة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في الشعب، وغيبة النبي موسى وغيبة النبي يونس في بطن الحوت وغيرهم من الأنبياء فكان هذا توجيه من الإمام للشـيخ الصـدّوق ( رحمة الله ) فاستطاع بتوفيقات من الله سبحانه وتعالى وعناية ولطف من الإمام أن يؤلف كتابه كمال الدين وتمام النعمة .
مقامات الاحترام والإهداء للإمام . 1 – القيام عندما يذكر احتراماً وإجلالاً له خاصة في الدعاء المخصوص بالإمام فالإمام الرضا والإمام الصادق كانوا يدعوان للإمام ويقومان إجلالاً له فمن نحن إذا ذُكر الإمام لا نقوم إجلالاً واحتراماً وإكباراً له ؟ ! 2- إهداء ثواب الأعمال مثل ختم القرآن الكريم، حج بيت الله الحرام حتى ولو كان بالنيابة إذا لم يستطع الشخص بنفسه الطواف عن الإمام فالطواف الواحد يعادل صلاة . 3 – زيارة الإمام واستشعار روح الشوق والتوق إليه دائماً لأنه علة وجودنا ومظهر الغيب والفيض لنا . 4– تقديم الصدقات باسمه، وهذا حق من حقوقه لأننا نحبه ونواليه وحق من حقوق الموالين على المولى أن يكونوا في خدمته . وإلى حلقة مقبلة إن شاء الله تعالى . -اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحظوره وعجل لنا ظهوره إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً برحمتك يا أرحم الراحمين - وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ------------ 1 – عقد الدرر، ص 160 . 2 – الغيبة للنعماني، ص 245 . 3 - تحف العقول : ص 171 . 4 – الاحتجاج للطبرسي : ج2 ن ص 286 – البحار : م25، ص 267 . 5 – البحار : م 74، ب7، ح 87 . 6 – بحار الأنوار : م2، ص 6 . 7 – بحار الأنوار : م2، ص4 . 8 – فلاح السائل، ص 112 . 9 – بحار الأنوار : م 98، ص 107 . 10– مصباح الزائر، ص 424 . 11 – جولة في سيرة الأئمة الأطهار – عليهم السلام – للشيخ مطهري، ص 178 . 12 – كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدّوق : ح1، ص 16 .
واللهم صلي على محمد وال محمد وارزقنا شفاعتهم واهلك اعدائهم وفرج عنا بظهور قائمهم المهدي بن الحسن عليه السلام موفقين الى خير
|