المراحل العمرية للمجتمع البشري
أستاذ الدورة : خادم أهل البيت والعلم سماحة الشيخ أبو علي العوامي ( حفظه الله )
الحمد لله الذي حسرت عن معرفة كماله عقول الأولياء ، وعجزت عن إدراك حقيقته أفهام العلماء ، واحد لا شريك له ، لا يشبهه شيء في الأرض ولا في السماء ، والصلاة والسلام على نبيه الخاتم أفضل خلائقه وأشرف سفرائه ، وعلى آله البررة الأصفياء والأئمة الأتقياء .
قال أمير المؤمنين – عليه السلام – : " لكل ارئ عاقبة حلوة أو مرّة "1
كل شيء في الوجود له بداية ، وكل عمل له بداية ، وكلاهما له نهاية إمّا حلوة أو مرة ، فنحن البشر أي عمل نقوم به لابد أن يبتدأ وينتهي ، في نطاق هذا المعنى نركز على ناحيتين :
الناحية الأولى – المراحل العمرية للإنسان .
كل فرد في حياته يمر بثلاث مراحل عمرية كل منها يحتاج إلى عناية خاصة وهم :
1 – مرحلة الطفولة .تتسم هذه المرحلة باللعب والأفكار الصبيانية ، وقد جاءت الأحاديث التي تؤكد هذا المعـنى ، ورد في الـحديث " دع ابنك يلعب سبع سنين " 2
وذلك لأن اللعب يفجر طاقات الطفل ، ويفتح آفاقه نحو المستقبل .
وتعد مرحلة الطفولة هي الأساس للنشوء السليم ، لذلك يطرح الإسلام برنامجاً لتنشئة الأطفال على أساس الإيمان ، من ذلك ما يُسمى بالعبادات التمرينية كالصلاة والصيام والدعاء...فهي لا تصل إلى حد الوجوب من التكليف الشرعي ولكنها من المستحبات الأكيدة ؛ والتي يراعي فيها الإسلام طبيعة الطفولة باستعداداتها النفسية والجسمية والفكرية .
وكثير من الروايات تشير إلى هذا المعنى من ذلك ما روي عن أبي عبد الله – عليه السلام – قال : " إنا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين فامروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين "3 والجدير بالذكر أن علماء الغرب ينصحون بتوجيه الأبناء نحو مثل هذه العبادات الدينية التمرينية يقول الدكتور كاريل : " لتحصيل الكمال النفسي لا يلزم أن يكون الإنسان عالماً أو ذكياً ؛ يكفي أن يختلي كل يوم صباحاً ومساءً لبضع دقائق ، بعيداً عن الضوضاء ويجعل ضميره حكماً في تصرفاته فيعرف أخطاءه ويخطط لسلوكه ؛ وفي هذه الفرصة يجب أن يتوجه إلى الدعاء إن كان يعرف ذلك ،فلدعاء أثر حتى ولو لم يكن هذا الأثر الذي نريده.
ولهذا يجب تعويد الأطفال منذ البداية على أن يقضوا فترات قصيرة في سكون وهدوء خاص للدعاء ؛ ومن توفق لذلك مرة واحدة يستطيع أن يصل إلى العالم الهادئ الذي يفوق كل الصور والكلمات المألوفة متى شاء ؛ عند ذلك يزول الظلام تدريجياً ، ويظهر شعاع خلاّق يهدي صاحبه إلى الطريق الأمثل "4
2 - مرحلة الشباب .
تتميز مرحلة الشباب بالعنفوان ، والحيوية ، والنشاط ، والفاعلية ، والغضب ، والشهوة ، والشباب بما يتمتعون به من صحة وعافية وحماس يمتلكون القدرة على العطاء والعمل والإبداع .
وشريحة الشباب من أهم الشرائح العمرية تأثراً وتأثيراً في البنية الاجتماعية ؛ فالشباب عندما يكونوا مبدعين وفاعلين يستطيعوا أن يحدثوا تغيير نوعي في مختلف الأبعاد وعلى شتى المستويات ؛ أمّا عندما يكونوا غير فاعلين أو غافلين عن القيام بمسؤولياتهم وواجباتهم فإنهم يفقدون القدرة على ممارسة أي تغيير إيجابي أو عمل إبداعي .
ومن المهم للغاية توظيف طاقات الشباب واستثمارها فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة وفيما يخدم المجتمع والأمة ؛ إذ أن جيل الشباب يشكل ثروة في المجتمع ؛ من هنا تعد مرحلة الشباب من أخطر المراحل العمرية لذا لابد لها من التوجيه والإرشاد حتى لا يكون المصير الانزلاق والانحراف .
قال الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله وسلم – : " اوصيكم بالشباب خيراً فإنهم أرق أفئدة ؛ إن الله بعثني بشيراً ونذيراً فحالفني الشبان وخالفني الشيوخ "53 – مرحلة الرجولة .تتسم بالعقل والنضج والاستفادة من التجارب والخبرات السابقة ؛ والإنسان في هذه المرحلة العمرية لا يخاف عليه.
الناحية الثانية – مراحل المجتمع البشري .
إن المجتمع البشري لابد أن يطوي مراحله الثلاث إلى أن يمر بالمرحلة النهائية ؛ إلا أن الواضح أن المجتمع البشري لم يمر إلا بمرحلتين منذ الأزل وإلى يومنا هذا وهما :
1 – مرحلة الأساطير والخرافات .بتعبير القرآن الكريم المرحلة الأولى مرحلة الجاهلية ؛ ولذلك أي مجتمع يسير على نهج أولئك من الأساطير والخرافات يصبح صاحب الجاهلية الأولى السابقة .
2- مرحلة العلم .مرحلة العلم الممزوج بالشباب,مما يعني أن هذه المرحلة محكومة بالغضب والشهوة,فالعصر هذا يعد عصر القنبلة, وهي تمر على كل المجتمعات ، ويعيش كل منها حالة من الجهل ، ولكن تكون هناك حركة تنويرية إلا أنها تبقى ممزوجة بحالة من الغضب والعنفوان والشهوة لذا يحتاج إلى مهدئات ومسكنات .
السؤال هنا:هل المجتمع البشري يتوقف إلى هذه المرحلة فحسب؟
مما لاشك فيه أن المجتمع البشري له مرحلة ثالثة لم يأت عليها بعد ؛ والمجتمع اليوم يمر بحالة من الغضب والتطاحن والحروب ؛ لذلك نقرأ اليوم في الجرائد والمجلات وعلى شاشات التلفزيون وساحات الإنترنت كيف المطاحن العالمية التي خلفتها وتخلفها الحروب ؛ وهذه الحالة بين مدّ وجزر لكن سيأتي اليوم الذي ينتهي فيه هذا التطاحن وتنتهي هذه الموجة ويعم السلام .
وهنا علماء الاجتماع يؤكدون على أن أي مجتمع من المجتمعات تحدث له موجة ؛ هذه الموجة تخلف وراءها حالة من الصفاء والنضج ؛ أي أن المجتمع يتغير مستواه وينتبه إلى أشياء كان غافلاً عنها بمعنى " مصائب قوم عند قوم فوائد " فالمجتمع يتعالى ويرتقي مع الأحداث . كما أن كبار علماء الاجتماع في العالم يرون أن الحروب ، وسفك الدماء ، وقتل الأنفس ، وكل هذه المفاسد المتزايدة اليوم إنما هي ناتجة من عدم توافر التوازن بين متطلبات الجسم والروح الإنسانيين ؛ فالإنسان اليوم قد سحق الفضائل الأخلاقية والمنابع المعنوية ؛ وإن كان قد سخر البحر والفضاء والصحراء لصالحه ، وصعد القمر ، ومن البديهي أنه لا يمكن إقرار العدالة والنظام الصحيح بالقوة والقدرة ، ولا يمكن ضمان سعادة البشرية بحصول التكنيك المتقدم وباقي العلوم المادية ؛ وليس للإنسانية محيص من أن تقيم علاقاتها على أساس الإيمان والأخلاق ؛ وتنجي نفسها من دوامة الخطر بقيادة مصلح عالمي عظيم وتصل إلى إقرار الحكم القائم على أساس العدالة والأمن والصفاء والأخوة ؛ وعلى هذا نستنتج أن المجتمع البشري لا يزال في المرحلة الثانية ، وإن البشرية اليوم لابد أن تستعد لتقبل قيادة الإمام صاحب العصر والزمان – عجل الله فرجه الشريف – .
متى تأتي المرحلة الثالثة من مراحل المجتمع البشري ؟
عند مجيء المُنقذ الأكبر الإمام الحجة المنتظر – عجل الله فرجه الشريف – ونؤكد هنا على أن المرحلة الثالثة تحتاج إلى قائد بمستوى تلك المرحلة ؛ حيث أننا متيقنون أن هذه المرحلة من أخطر المراحل وأكبرها .
وعندما نطالع التاريخ نجد أن الجماهير لم تستطع أن تنجح نجاحاً تاماً في ثوراتها بدون زعيم وقائد مُحنك ؛ لأن ليس كل قائد مناسب للقيادة بل لابد أن يكون على مستوى من الذكاء والحنكة فمكان القائد من الجماهير كمكان العقل من الجسم ؛ فمتى ما اختل العقل أو ضعف عن إصدار أوامره فإنه يبقى خاملاً وعلى ذلك فهو قطب الرحى ؛ وهكذا الإمام المنتظر–عجل الله فرجه الشريف– قطب دائرة الإمكان وهو الناموس الأعظم والمنقذ الأكبر.
جماهير الإمام المنتظر – عجل الله فرجه الشريف – .
إن الجماهير التي تكون مع المنقذ الأعظم ينبغي أن تكون على قدر كبير من تحمل المسؤولية ؛ وذلك بتهيئة النفس والاستقامة لأن الاستقامة ورضا الإمام – عليه السلام – عنا طريقاً للكون من أنصاره ؛ فلابد أن تكون بمستوى تلك المرحلة لأنها من أخطر المراحل وأهمها على مر الزمن.
وسنتحدث هنا عن بعض النماذج التي عاصرت الأئمة-عليهم السلام– وأصبحت لهم المحمودية ، والبعض الآخر عاصرهم ولكن أصبحت لهم المذمومية .
1 – الفضل بن شاذان .يعد الفضل بن شاذان وكيل من الوكلاء الجيدين بل والممتازين الذين كان يعتمد عليـهم عند الأئمـة الأطهـار – عليهم السلام – والفضل بن شاذان في مقابله علي بن أبي حمزة البطائني ويماثله الحسين بن منصور الحلاج ؛ وقد روي في وسائل الشيعة والكافي وأمثالهما ما يتحدث عن فضله ومكانته ؛ والتي منها أنه أرسل مبعوثاً إلى الإمام العسكري –عليه السلام– فقال مبعوث الفضل بعد رجوعه أن الإمام– عليه السلام– قال له:" اغبطوا 6 أهل خراسان لمكان الفضل بن شاذان بين أظهرهم" ونلاحظ من تحليل الحديث وتحقيقه المعنى الأخلاقي في تمني النعمة التي عند الغير دون زوالها؛وهنا يتحدث الإمام بنفسه المباركة قائلاً:اغبطوا،وما الذي يتمناه الإمام – عليه السلام– في هذه النعمة الـتي هي عـند الـوكيل المبارك ؟! إنما هي دعوة إليهم لتمني النعمة التي لديه أن يكون لديهم مثلها ؛ وعندما يقول الإمام –عليه السلام – اغبطـوا لا يقصد بها معناها الحقيقي إنما معناها المجازي كي يبين فضل ومكانة الفضل بن شاذان .
وبناءً على هذا ينبغي أن يكون كل فرد منا في هذا المستوى الذي كان عليه الفضل بن شاذان والذي هو مستوى المحمودية عند الإمام المنتظر – عجل الله فرجه الشريف – وذلك بالدعوة ، والنشاط ، والفاعلية ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2 – علي بن حمزة البطائني .
كان علي بن حمزة البطائني وكيل لأكثر من معصوم ، ولكن ساءت خاتمته بالرغم من أن كثير من عمال بني أمية اهتدوا على يده ، وذلك بسبب توجيهاته وإرشاداته ، ومما يؤكد هذا المعنى أن أحد الناس قدِم للإمـام الصـادق – عليه السلام – للتوبة فقال له : جعلت فداك ، إني كنت في ديوان بني أمية – لعنهم الله – وأصبت من ديوانهم مال كثير وقد أجهدت نفسي حتى أستطيع أن أحصل على تلك الأموال .
فقال له الإمام – عليه السلام – : لولا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم ويأتي لهم بالفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعاتهم لما سلبونا حقنا ولما أخذوا المناصب ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئاً إلا وقع في قال الرجل : جعلت فداك ، فهل لي مخرج منه .
قال الإمام – عليه السلام – : إن قلت لك تفعل .
قال : نعم أفعل .
قال له الإمام – عليه السلام – : اخرج جميع ما كسبت من ديوانهم ، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ، ومن لم تعرف تصدقت به عن صاحبه وأنا أضمن لك الجنة.فأطرق الرجل رأسه طويلاً ثم قال : قد فعلت،جعلت فداك.7
يقول الراوي عن الإمام الرضا – عليه السلام – قال : " مات علي بن حمزة البطائني في هذا اليوم ، فأدخل قبره ، وعندئذ دخل عليه الملكان فسألاه من ربك ؟ قال : ربي الله – سبحانه وتعالى – .
من نبيك ؟ قال : محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – .
من وليك ؟ قال : علي بن أبي طالب – عليه السلام – .
قالا ثم من ؟ قال : الحسن بن علي – عليه السلام – .
قالا ثم من ؟ قال : الحسين بن علي – عليه السلام – .
قالا ثم من ؟ قال : علي بن الحسين – عليه السلام – .
قالا ثم من ؟ قال : محمد بن علي – عليه السلام – .
قالا ثم من ؟ قال موسى بن جعفر – عليه السلام – .
قالا ثم من ؟ هنا تلعثم لسانه ولم يكمل فزجراه ، وقالا له: أ موسى بن جعفر أمرك بهذا ؟
ثم ضرباه بمقمعة من النار ، فألهبا قبره إلى يوم القيامة "8
فمنذ ذلك الحين وإلى الآن يشتعل قبر وكيل الإمام الصادق – عليه السلام – بالنار فكيف بنا نحن ؟ ! ! !
إذن : يجب على الموالي أن يربي نفسه على الصفات الحميدة ، ويتطهر من الرذائل الأخلاقية ،فقد ورد عن الإمام الصادق – عليه السلام – " من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق؛ فهو منتظر فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه ؛ فجدوا وانتظروا هنيئاً أيتها العصابة المرحومة "9 نلاحظ أن الإمام يقرن الانتظار بالورع ومحاسن الأخلاق ، وهذا ما يجب على كل شيعي أن يسعى فكراً وعملاً للحفاظ على علاقته المعنوية والفكرية بإمام زمانه ، وتهذيب ذاته بالشكل الذي يبعث الرضا في نفس الإمام المعصوم – عليه السلام – .
وإلى حلقة مقبلة إن شاء الله تعالى
-اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحظوره وعجل لنا ظهوره إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً برحمتك
يا أرحم الراحمين -
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين
المصادر
..............................
1 – نهج البلاغة : ص 597 .
2 – مكارم الأخلاق : ص 222 .
3 – الكافي : ج3 ، ص 409 – وسائل الشيعة : ج4 ، ص 19 .
4 – عن كتاب الطفل بين الوراثة والتربية ، ج 2 ، ص 150 .
5 – روايات من مدرسة أهل البيت – عليهم السلام– لمرتضى فريد– ج 1 ص 34.
6 – الغبطة : تمني النعمة التي هي عند الغير دون زوالها .
7 – بحار الأنوار ، م 47 .
8 – بحار الأنوار ، م 49 .
9 – بحار الأنوار ، م 52 ، ص 140 ، ب 22 ، ح 50 .
وصلى الله على محمد وال محمد