بسم الله الرحمن الرحيم
إن الله خلقنا للسعادة الدائمة أعدها لنا وأعدنا لها...
إن الإنسان خلق للحياة الدائمة والعيش السرمدي وعمر الآخرة لانهاية له ، وقد جعل الله هذه الدنيا مزرعة للآخرة ورتب الجزاء في الآخرة على الأعمال في هذه الدنيا ، فكان تأهل العبادة لتلك السعادة الابدية بهذه الأعمال الدنيوية ، ولاريب أن هذه الأعمار القصيرة والمدة القليلة لو استغرقت بالعبادة بحيث لم يعص الله فيها طرفة عين ، ولم يصرف مقدار نفس من الانفاس إلاّ في طاعة الله فهي مع ذلك قاصرة وناقصة بالبداهة والضرورة عن الأهلية للمقابلة ومقام المعارضة والمجازاة فلابد بمقتضى الرأفة الألهية والرحمة الربانية أن يفتح لهم أبواباً من أبواب كرمه يؤهلهم بها لمقام الجزاء بمالا انقضاء له ولا فناء ، إذ كل نعمه إبتداء ، وكل احسانه تفضل ، فأول ما تفضل به عليهم بجوده وكرمه أن جعل أعمالهم غير منقطعة بإنقطاع أجالهم ولا منتهية بإنتهاء مددهم بحيث جعل من أحكام دينه التي حكم بها إلى يوم القيامة كما أن من سن سنة ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وكذلك جعل من أحكامه أن الوالدين شركاء مع أولادهما فيما يعملون من أعمال الخير بمقتضى التسبب والعلية للوجود ، وهذه سلسة غير منقطعة .
وكذلك جعل ثواب بعض الأعمال أن يخلق منها ملائكة يعبدون الله إلى يوم القيامة ويكون ثواب عبادتهم لصاحب العمل .
وكذلك فتح لهم باب التنزيل فنزل العمل ليلة واحدة بمنزلة العمل في ألف شهر ، بل أخبر الله سبحانه وتعالى فقال : ليلة القدر خير من ألف شهر .
وجعل تفكر ساعة بمنزلة عبادة ستين سنة على ما في بعض الروايات ، وجعل مبيت ليلة عند أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تعدل عبادة سبع مائة سنة .
وجعل قضاء حاجة المؤمن تسعة آلاف سنة صائماً نهارها قائماً ليلها ، وجعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر قائمة مقام صيام الدهر :
كل ذلك تعطفاً منه على عباده المؤمنين وتفضلا ليؤهلهم لأن يوصلوا إلى رتبة إستغراق عمر الدنيا بالطاعة حتى يكون لهم شوق التأهل بهذه المرتبة النفيسة بجوده وكرمه ، ثم ذلك قليل في جنب مايريد أن يؤهلهم عن إستغراق مدة الأمد والسرمد بالعبادة والطاعة له عزّ وجل فأكمل لهم الامتنان ليتم لهم الأنعام بأن فتح لهم باب الجزاء على النية التي هي خير من العمل فجعل نيات المؤمنين أن لو خلدوا في الدنيا لداموا على طاعتهم لله عزّ وجل فأثابهم على ذلك ثواب الدائمين على طاعته وجعل جزاءهم على هذه النيات الخلود في الجنة .
كما أن الكفار بسوء نياتهم وأنهم لو داموا لداموا على معصيته وجعل جزاءهم الخلود في عقابه .
الطريق إلى الله
العالم الرباني الشيخ حسين البحراني |