المحاضرة الثالثة :
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام
على اشرف الانبياء والمرسلين
وعلى ال بيته الطيبين الطاهرين
التربية طريق النجاح
حديثنا عن جذر من الجذور الأساسية ،ومركز من المراكز المهمة ، وعن النواة الأساسية ، بل عن حجر الأساس في حياة الإنسان وهي : التربية الحديث عن التربية حديث ذوأبعاد متعددة ، ولكن نسعى أن نتحدث عن بعض جوانبه المهمة على ضوء حياة أبي الفضل العباس (ع)الذي لنا الشرف في هذه الليلة أن نكون في ضيافته .
عندما يتحدث مولانا سيد البلغاء والمتكلمين أمير المومنين (ع) الى ولده المجتبى (ع) فيقول (وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيىء لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني فعناني من أمرك مايعنيني من أمر نفسي ) (1) أما أم البنين الجليلة فعندما أرادت أن تمنهج حياة أبي الفضل العباس (ع) في تقديره واحترامه لأخيه الأمام الحسين (ع) قالت له (إذا جلست أمام أخيك فاجلس جلسة العبد ، وإذا ناديته فقل له : يا سيدي ومولاي ) وعندما نعيد النظر إلى تربية أهل البيت (ع) نجد أنهم يبنون حياة الإنسان ، ليس في نشأة حياته ، بل قبل أن ياتي إلى الدنيا وذلك بأختيار الأم وطهارتها وصفائها ونقائها ، لأنها طريق لئن تحمل ذلك الجنين في بطنها ، الذي يتغذى منه دمها ومما تتغذى منه، يتغذى بطنه وفكره مما تتغذى منه أمه ، ولذا عندنا في الروايات تأكيدات جليلة على أن الأم الحامل ينبغي لها أن تكون دائماً على وضوء وفي ذلك تأثير على نفسيتها ونفسية الطفل ، ينبغي لها أن تعطي الطفل الطمأنينة بقراءة القرآن والأدعية حتى ينشأ هذا الجنين في بطنها نشأة طاهرة إذا أتى إلى الدنيا ، وهذا شيء بسيط وإلاففيه تفصيل طويل عند أهل البيت (ع) ، وإذا أتى إلى الدنيا تحمله على كتفها الأيسر ليكون أقرب الى قلبها ويسمع دقاته ليطمئن ويرتاح ،وإذا أخذت ترضعه تتجه عيناه إلى أمه .. من الذي فطره على ذلك ؟؟ الله سبحانه وتعالى ..
وإذا أرادت أمه أن ترضعه يستحب لها أن تكون على طهارة وتقرأ القرآن والدعاء وتسبح وتهلل وتكبر لأن كل هذا يؤثر على الطفل .
ويكره للأم أن ترضع طفلها في حالة الغضب لأن اللبن يحمى فيؤثر في الطفل ويصبح سريع الغضب .
وينبغي أن ترضعه في مكان هادىء ، لتكون مستقرة الأعصاب ، وهي عندما ترضعه فهي ترضعه هدوئها وسكينتها ووقارها ، يتغذى بهذا الغذاء لذلك نقول :-
لاعذب الله أمي إنها شربت حب الوصي وغذتني في اللبن ..، لذلك ورد في الحديث (عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب (ع) . (2)
لذلك نجد الشيخ الأنصاري قد ذهب البعض إلى والدته وقالوا لها : جزاك الله خيراً ، لقد بلغ أبنك من المستوى العظيم وأصبح مرجعاً ، فقالت : وما ذلك بغريب ، بل كنت أتوقع أكثر من ذلك وقالت : ما أرضعته إلاوكنت طاهرة وعلى وضوء ، وما أرضعته إلا ذاكرة لله، فالأم كان عندها تصور ماذا سيكون إبنها في المستقبل ، لأنها عرفت كيف تربي .
أيضاً أهل البيت (ع) اعطونا التعاليم التي ينبغي أن نـتعامل بها مع الطفل في كل مرحلة من مراحل عمره سواء من ناحية الغذاء حيث لابد أن يكون مضموناً ومعروفاً ومتيقناً بطهارته ، وكذلك من ناحية المعاملة الخاصة لكل مرحلة في حياته العمرية .
المراحل العمرية في حياة الإنسان وكيفية التعامل معها :-
1/مرحلة الطفولة المبكرة :
تبدأ من الولادة إلى 7 سنوات وهذه المرحلة تنقسم إلى ثلاث مراحل :-
أ-الحسية الحركية :
وتكون الحواس مشتغلة عند الطفل من سن الولادة إلى سنتين ،وتكون عند الطفل الحواس مشتغلة أي (يسمع ويبصر ويستطيع المشي والكلام) ، وفي هذه المرحلة يحب الطفل أن يلعب لذلك على الوالدين أن يوفروا له ألعاب حتى تـتفعل حركته وحواسه
ب-مرحلة قبل المفهومية :
تبدأ عنده السنة الثالثة إلى الرابعة وتكون سابقة إلى مرحلة الدراسة ويكون الخيال عنده متسع ،وتنمو عنده الوظائف الحيوية ، ثم أن الطفل تزداد عنده روح اللعب ، ويميل إلى الألعاب التي تناسب جنسه ولداً كان أوبنتاً كلاً على حسب تكوينه .
ج-المرحلة الحدسية :
تبدأ من السنة الرابعة إلى السنة السابعة حيث يبدأ الطفل في هذه المرحلة بالذهاب إلى المدرسة وبعض الدول يذهبون إلى المدرسة من السنة السادسة ، ويبدأ باشتراك عائلتين :عائلة البيت ،وعائلة المدرسة ، ولذلك هنا يبدأ الجهد المضاعف فهو يتعلم من أهله شيء وفي المدرسة مع أصحابه شيء فيرى الطفل سلوكيات أخلاقيات غير سلوكيات البيت ، وهنا تكبر مسئوولية الوالدين بحيث لابد من التركيز على الإبن والإبنة أكثر حتى لاتنحرف حياتهم ومسيرتهم .
وفي هذه المرحلة تتكون عند الطفل المهارات اللغوية والعقلية ، وتكون عنده المقدرة على الإستيعاب أكثر ، ولذلك يصير نموه الجسماني بشكل واضح ، ويبدأ عنده نمو الغرائز ، ويبدأبحب اللعب الجماعي ، ولابد أن نعرف هذه الأساسيات لنعرف كيف نربي ابناءنا على التعاليم التي قدمها لنا أهل البيت (ع) .
2/ مرحلة الطفولة المتأخرة :
وتبدأ من السنة السابعة إلى الرابعة عشر وتنقسم هذه المرحلة إلى مرحلتين :
أ-المرحلة المحسوسة :
وتبدأ من السنة السابعة إلى الحادية عشر ، وتــتـميز هذه المرحلة بالبطء في النمو الجسماني ، لكن تـتـحسن صحته ، ويزداد النشاط الجسماني عنده فيحب اللعب ، لذلك تسمى هذه المرحلة بمرحلة الحركة والنشاط .
والرسول (ص) يقول :"التراب ربيع الصبيان "
إذا رأينا طفل يلعب في التراب فهذا من الطبيعي لأنه ربيعه ،لكن يجب الالتفات إليه وتوجيهه ، لأنه يحتاج إلى التوجيه والعناية حتى يعيش حياة سليمة .
في يوم من الأيام سمع شخص عن العلامة الحلي فذهب إلى مكان تواجده ، وسأل عنه فرأى عدة صبيان فسألهم عن بيت العلامة الحلي فقام صبي وقال : أنا أدلك على بيته . فذهب معه ، ودخل المنزل ، وقال هذا منزل العلامة الحلي ، وذهب الصبي ثم رجع وعليه الزي الديني فقال الرجال : أين العلامة الحلي ؟!
قال : أنا العلامة الحلي .
فقال : أنا عندي مجموعة من الأسئلة ، أريد أن أسأل عنها ،وأنا قادم من بلدة بعيدة حتى أسأله عنها .
قال له : أنا أمامك تفضل فبدأ يسأل الأسئلة التي عنده ، والعلامة يجيب .
اقتنع الرجل أن الواقف أمامه هو العلامة إذ أنه بحر متلاطم في العلم ، قال الرجل له : بقي عندي سؤال لماذا تلعب بالرمل ؟!
قال له : أمارس طفولتي ، فالطفل يمر بمراحل طبيعية يعيشها ، صحيح أن هناك من يقفز على طفولته ويتعداها ولكن تبقى فيه آثار الطفولة .
ب- المرحلة العبودية :.
وتكون بين السنة الحادية عشر والرابعة عشر ، في هذه المرحلة يستطيع الطفل المناقشة مثلاً : لو قلنا له أننا ذهبنا إلى كربلاء مع أبيك ، وهناك رأينا مشهد الأمام الحسين (ع) ، ومشهد أبي الفضل العباس (ع) فسوف يتخيل في ذهنه هذه الصورة حسب معرفته ومعلوماته والتعاليم التي أعطيناها إياه ثم يكون عنده مقدرة على إدراك الحقائق .
3/ مرحلة المراهقة :-
وهذه المرحلة تبدأ من السنة الرابعة عشرة وحتى الحادية والعشرين ، وهذه أعظم مرحلة وأشد وأخطر وأروع مرحلة ، بمعنى أن الأشخاص الذين لايوجهون لهذه المرحلة ولايلتفت إليهم ولايدخلوا الأماكن الدينية فسوف يكون عندهم فراغ نفسي ، لأن النفس في هذه المرحلة تطالبه بالتدين ، فيجب أن يكون عنده رصيد من الثقافة ، أما إذا لم يكن عنده رصيد فإن مشواره يكون صعباً فيبدأ من الصفر خصوصاً إذا لم يكن هناك من يوجهه ، ولكن إذا وجد من يوجهه يمكن أن يتجاوز خطورتها ، لأنها أخطر مرحلة ، وإذا وجد من يهتم به ويوجهه سوف يجد النجاح في حياته ، والإسوف يضيع في متاهات الدنيا وينحرف .
من هذا المنطلق أؤكد على أخوتي وأخواتي أن يقيموا دورات حول سن التكليف تبين أهمية هذه المرحلة واحتياجاتها حتى ينشئوا نشأة صحيحة ويكون المجتمع صحيح وناجح ، لأن الشخص سيكون مطمئناً ويستطيع أن يعطي الطمأنينة لغيره ، وهذا ما نراه في منهج التربية عند أهل العصمة والطهارة ، ولذلك نرى الإمام علي (ع) عندما أراد أن يختار من ينصر إبنه أبي عبدالله الحسين (ع) ويكون ظهراً وعضداً له قال لأخيه عقيل وهو العالم بأنساب العرب : " أختر لي أمرأة ولدتها الفحول " بمعنى أمرأة جليلة فقال له : عليك بفاطمة بنت حزام الكلابية ، هذه المرأة من نسل جليل وظهر عظيم فعلاً كانت تتمنى أن تكون من خدام أمير المؤمنين (ع) فشاء الله لها أن تصبح في بيته فلما وصلت قالت : استئذنا لي من الحسن والحسين (ع) ، وعندما كانت في بيتها كانت تقول لأمير المؤمنين (ع) : سيدي لاتناديني بفاطمة فينكسر الحسن والحسين (ع) ، وهذه المرأة الجليلة علمت أبا الفضل العباس (ع) كبش كتيبة الإمام الحسين (ع) كيف يتخاطب مع أخيه فيناديه سيدي ومولاي .
ولم يسمع الإمام الحسين (ع) منه كلمة أخي الافي اليوم العاشر من المحرم عندما كانت الجموع متجمعة حول الإمام الحسين (ع) ورأى كثرة القتلى من أهله قال العباس (ع) لإخوته من أمه وأبيه :عبدالله وعثمان وجعفر : تقدموا يابني اُمي حتى أراكم تضحوا بين يدي أبي عبدالله الحسين (ع) وقال لأكبرهم وهو عبدالله : تقدم أخي حتى أراك قتيلاً فأحتسبك ، فقاتلوا بين يدي أبي الفضل العباس (ع) حتى قتلوا بأجمعهم ، ولم يستطع ابو الفضل صبراً ، بعد أن فنيت الأصحاب ، وقُتِل من قُتِل من الأبطال ، ورأى الإمام الحسين (ع) مكثوراً ، عندها سمع نداء النساء وعويلهن ، وصراخ الأطفال من العطش وطلب من أخيه الرخصة ، فقال له الإمام الحسين (ع) : يا أخي أنت صاحب لوائي ، فقال العباس :قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ، وأريد أن آخذ ثأري منهم ، فأمره الإمام الحسين (ع) أن يطلب الماء للأطفال ، ذهب أبو الفضل العباس إلى القوم ووعظهم وحذرهم غضب الجبار ، فلم ينفع فنادى بصوتٍ عالٍ : ياعمر بن سعد هذا الحسين بن بنت رسول قد قتلتم أصحابه وأهل بيته وهؤلاء عياله وأولاده عُطاشى ، فقال له : يا ابن أبي تراب ، لو كان وجه الأرض كله ماءً ، وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلا أن تدخلوا إلى بيعة يزيد ، رجع أبو الفضل يخبر أخيه بماجرى ، فسمع الأطفال يتصارخون العطش ، العطش ! فثارت به الحمية الهاشمية ، ثم أنه ركب جواده وأخذ القربة ، وقصد الفرات وأحاط به أربعة الآف ورموه بالنبال ، فلم يعبأ بجموعهم ، ولاراعته كثرتهم ، شد عليهم يضربهم بسيفه ، فلم تثبت الرجال أمامه حتى كشفهم عن الفرات ، ودخل الماء واغترف من الماء ، فأحس ببرودة الماء فتذكر عطش أخيه الحسين (ع) فرمى الماء من يديه وقال :
يانفس من بعد الحسين هوني وبعده لاكنت أن تكوني
هذا الحســـين وارد المـــنون وتشربين بارد المعـين
والله مـــا هــــــذا فعـــــــال دينـــــي
ثم ملأ القربة ، وركب جواده ، وتوجه نحو المخيم ، قطعوا عليه الطريق حمل عليهم يضربهم حتى كشفهم عن الطريق وهو ينادي :
لا أرهب الموت إذا المــوت زقا حتى أوارى في المصاليــط لقا
نفسي لنفس السبــط الطهر وقا إني أنا العبـــاس أغدوا بالسقا
ولا أخـــاف الشـــار يوم الملتقــــى
فكمن له زيد بن الرقاد الجهني من وراء نخلة فضربه على يمينه فبراها فأخذ السيف بشماله وحمل عليهم وهو يقول :
والله إن قطعتموا يميني إني أحامي أبداً عن ديني
وعن إمام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الأميني
فلم يعبأ بيمينه ، لأن همه إيصال الماء إلى أطفال الحسين وعياله ، لكن حكيم بن الطفيل كمن له من وراء نخلة ، فلما مر به ضر به على شماله فقطعها ثم تكاثروا عليه وأتـته السهام كرشق المطر ، وأصاب القر بة سهم وأريق ماءها ، وسهم أصاب صدره ، وسهم أصاب عينه ، وأتاه رجل بالعمود وضر به على رأسه ، فسقط على الأرض ينادي : عليك مني السلام أباعبدالله , أدركني يا أخي ..
أتاه الإمام ورآه مقطوع اليدين ، والسهم نابت في عينيه ، فقال : الآن انكسر ظهري ، وقلت حيلتي ، وشمت بي عدوي .
أراد إمامنا أن يحمل أبي الفضل العباس فنظر إليه وقال : سيدي إلى أين ؟ ، قال أريد أن أحملك إلى المخيم , قال : مولاي لقد وعدت سكينة بالماء ، ولا أستطيع الذهاب ، دعني هنا تودع روحي الدنيا .
اللهم صل على محمد وآل محمد ، اللهم إنا نسألك بحق أبي الفضل العباس وأمه الجليلة أم البنين ، أن لا ترد كفوفنا خائبة ، استجب دعائنا ، وحقق مطالبنا ، شافِ مرضانا لا سيما المنظورين ، اللهم اقضِ حوائجنا وحوائج المحتاجين ، اللهم لا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ..
____________________
(1) نهج البلاغة : ص 391
(2) تاريخ بغداد : 4/410 ، كنز العمال : ج 11 ، الحديث 32900 ، ص 610