بسم الله الرحمن الرحيم والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين وعلى ال بيته الطيبين الطاهرين ..
المحاضرة الرابعة : (( وأطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ))
قال البارى جل جلاله في محكم كتابه العزيز : " وأطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " (1) صدق الله العلي العظيم هذه الآية المباركة التي تحدثت عن الطاعة وفصلت القول مجملاً ، حيث أولاً : الطاعة لله ، ثم الرسول (ص) ثانياً ، ثم يأتي في الدرجة الثالثة : أولي الأمر - أهل البيت (ع) – وهم النظام للبشرية بأجمعهم وهم طريق السعادة والنجاح ، لا سيما لمن اقـتـفى أثرهم , وأستفاد من منهجهم . لقد خط أهل البيت (ع) طريق الفلاح إلى كل من عاصرهم ، ولم يكتفوا بذلك ، بل جعلوه نهجاً يسير عليه الناس من بعدهم , وهذا النهج الذي رسموه هو النهج الذي رسمه رسول الله (ص) ، فكل علومهم من علومه (ص) , لكن الطريقة والأسلوب كانا يتغيران في كل زمن ، فكل زمن كان يحتاج إلى آلية وأسلوب حسب الإمكانيات والظروف التي تناسب الزمان والمكان , فاتسمت دعوة النبي (ص) بسمات خاصة , واتسمت دعوة أمير المؤمنين (ع) بسمات غيرها ، واتسمت دعوة الإمام المجتبى (ع) بطريقة ثالثة ، وعندما وصلت النوبة للإمام الحسين (ع) كانت متسمة بإسلوب آخر ، لكن لو إننا بدلنا الأشخاص مكان الزمان لكان الدور واحداً ، بمعنى لو كان الإمام الحسن (ع) في مكان وزمان الإمام الحسين (ع) لقام بالثورة , ولو كان العكس لقام الإمام الحسن (ع) بالصلح ، فالزمن يلعب دوراً ، لأنه لم يكن مناسباً للقيام بالعمل الثوري , ولكن لما وصل الدور ليزيد (عليه اللعنة ) وأصبح على رأس السلطة ، فلو استمر به الحال لضاع الإسلام والمسلمين ، لذلك استدعى الأمر الثورة التي قام بها الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه , وبعد ثورته أصبح المشوار النهوضوي بيد الإمام زين العابدين (ع) وتحت مظلة السيدة زينب (ع) ، حيث كانت لها الولاية الخاصة التي نصبها بها الإمام زين العابدين (ع) أيام مرضه عندما كان متعباً مجهداً نحيلاً ، ثم تابع الإمام (ع) هذا المشوار المبارك فكان له الدور في إعادة نهضة الأمة تحتاج إلى حياة جديدة وبعث جديد لأن بني أمية قاموا بدور جعلوا النفوس تموت , والضمائر تنام ، والمشاعر تخمد ، فاحتاجت الأمة إلى تيقيظ الضمائر , وبعث للنفوس فنلاحظ أن : الإمام زين العابدين (ع) كان له دور واضح،
ومن أهم النقاط التي تعبر عن دوره ثلاث نقاط وهي :
1/ شراءه العبيد وتربيتهم تربية إسلامية , ثم عتقهم من بعد ذلك . 2/ تعليم الناس المسائل الشرعية , والأدعية والأذكار , لأن الروح ماتت فتحتاج إلى بعث جديد . 3/ تربية الخواص من أهل بيته وأصحابه على الخط الجهادي .
الجانب الأول : بالنسبة إلى تربية العبيد فقد قام الإمام (ع) بأخد الأفراد وشرائهم , ثم أخد يغلمهم , وكانوا في بساتين تحت توجيه وإشراف الإمام (ع) , حتى إذا قويت إرادتهم ، وتفتحت مداركهم وبصائرهم, وأصبحت ثقافتهم عالية ، وأصبحوا متفقهين عندئذٍ كان الإمام يعتقهم وكما جاء في الفقه أن " المجاورة مؤثرة " , فمثلاً لو كانت موجودة بجانب نهر، فإن النهر ستصبح رائحته مثل رائحة الميتة مع إنها لم تمسه ، وكذلك إذا كانت رائحة طيبة وجاءت رياح فإنها سوف تنشرها بالجاورة لأنها مؤثرة . فكيف بمن عاشوا تحت مظلة وسقف بيت الإمام (ع) فهؤلاء تكون تربيتهم تربية ناصعة ، هؤلاء العبيد كانوا يتربون على يد الإمام (ع) ولو أنه لم يكن يوجههم بمجرد بقاءهم مع الإمام (ع) هي تربية بحد ذاتها , فهم يرون الإمام (ع) كيف يصلي وكيف يتعامل , كيف والإمام لم يكتفِ بذلك ، بل كان يعلمهم ويفقههم ويربيهم ، فإذا تمت فقاهتهم أرسلهم وأعتقدهم فمنهم من يتوجه إلى اليمن والبحرين أو الكوفة , كل على حسب ناصيته , وبلدته , وعندما يذهب إلى بلده يقوم بالدور التعليمي , لأن الإمام علمه وهو يعلم ما تعلمه" فزكاة العلم نشره وتعليمه " (2) فقد كان يستقي من منبع ومنهل الإمام (ع) ثم يذهب ليعطي غيره ما استفاد من الإمام (ع) .
الجانب الثاني :
كان للإمام (ع) دور التعليم على شكل الإلقاء والخطابة ، والمحاضرات , والإرشاد وكان عنده تدريس للفقه ،وتعليم الحلال والحرام , والأمور التي يحتاجونها في حياتهم حيث أن الأمور اختلطت حلالها بحرامها , فكان له (ع) الدور البارز في إرجاع الناس إلى الشريعة المعظمة , وإصلاح أمورهم التي أختلط حابلها بنابلها . ومن جانب آخر فإن الدعاء كان له الدور التصفوي للنفوس والتربوي كذلك , فقد كان يصفي النفوس مما علق بها من شوائب الدنيا ورذائلها وأدرانها ، فالدعاء كان مدرسة تربوية لذلك خلد الإمام (ع) الصحيفة السجادية ، التي حري بكل مؤمن ومؤمنة أن تكون منهج في حياتهم , لذلك ينبغي أن نقرأها باستمرار ، ونجعل لنا برنامج معها ، فهي كلها مناجاة عظيمة تربي الإنسان كأنها المدرسة التي تربي الإنسان . وتعتبر الصحيفة السجادية زبور آل محمد وعلى بعض الروايات زبورهم وانجيلهم ، فهذه الصحيفة حقيقة ً بعثت وأحيت المجتمع من جديد ، وربطتهم بالله جل جلاله ، وأعادتهم إلى الحظيرة القدس ، وأوصي نفسي وأخوتي وأخواتي بقراءة دعاء مكارم الأخلاق ، لأنه بحق دعاء تربوي يعتبر مدرسة أخلاقية ومنهج أخلاقي يربي الإنسان على الفضائل " اللهم بلغ بإيماني أكمل الإيمان , وانتهي بيقيني إلى .
الجانب الثالث : تربية الخواص من أهل بيته وأصحابه على الخط الجهادي ، فقد ربى الإمام (ع) أفذاذه تربية خاصة , وكان لهم دور آخر غير دور العبيد المعتقين ، فهؤلاء من أصحاب الإمام ورواة حديثه ، وممن عاشوا معه ، لذلك تخرج منهم الفقهاء والعلماء ، فمن الفقهاء الأجلاء : أبو حمزة الثمالي ، الذي تقرأوون دعاءه في الأسحار في شهر رمضان ، وهو دعاء الإمام (ع) الذي علمه إياه ، وقد كانت كنيته أبو حمزة الثمالي وأما أسمه ثابت بن دينار ، وقد كان معروفاً ببطولته في العلم والزهد ، وكان من الذين يعتمد عليهم كعالم من علماء الشيعة ، حتى علماء المذاهب الأخرى يرجعون إليه ، وبعض الأسانيد من العامة يسمونه عالماً ، ويعرفونه بالورع والتقي والزاهد والعادل والثقة وكلمات أخرى كثيرة في حقه .. إذن : فقد خرج الإمام (ع) أفذاذ وعظماء كأبي حمزة الثمالي ، والذي قال عنهم الإمام الصادق (ع) : " لولا هؤلاء لأندرست آثار النبوة " (3) ، وكان بينهم أبي حمزة فهم الذين خلدوا هذه الآثار ، لأنهم امتداد لهذه الآثار النبوية والنهضة الحسينية. إذن : بعد واقعة كربلاء انحسر الدور في المجتمع الذي يحمل فيه أصحابه رسالة أهل البيت (ع) وأكثرهم الذين كانوا أصحاب نفوس صافية قد ذهبوا في واقعة كربلاء , فلم يبقى في المجتمع أفراداً يعتمد عليهم موثقين ، لذلك احتاج الإمام (ع) أن يصنع أفراداً يعتمد عليهم .. ثم بعد واقعة كربلاء انحسر الدور في المجتمع الذي يحمل فيه أصحابه رسالة أهل البيت (ع) وأكثر الذين كانوا أصحاب نفوس ضافية قد ذهبوا في واقعة كربلاء ، فلم يبق في المجتمع أفراداً يعتمد عليهم موثقين ، لذلك احتاج الامام (ع) أن يصنع أفراداً يعتمد عليهم . ثم بعد واقعة كربلاء احتاجت الامة أن تعود بصحوة كبرى ، لاسيما أن الدم الذي ثار ، لابد للانتقام والثورةلذلك خرج المختار بالثورة وزيد بن علي كذلك ، وصارت ثورات ونهضات بعد واقعة كربلاء ، وهذه الأ جواء التي صنعها الامام زين العابدين (ع) لم يتوقف دوره في الدعاء والجانب الروحي حسب ما يتصور البعض ، بل كان له كثير من الأدوار على كل المستويات والأصعدة ، واكن لكل دور زمان ، ولكل أسلوب وقت ، والوقت الذي كان فيه المام السجاد (ع) كان يحتاج الى الجانب الروحي أكثر من أي جانب آخر ، لذلك اتضح هذا الجانب جليا ً ، فنلاحظ امامنا (ع) الذي تحمل المصاعب والمحن كيف أنه صنع من أولئك العظماء رجالاً أبطالاً يحملون أنفسهم على راحة أكفهم ليخرجوا ويضحوا في سبيل الله جل جلاله ...
______________ (1) سورة النساء الآية 59 (2) غرر الحكم : ب11 ، ح 16 ، ص 222 (3) الأختصاص ص: 67
وصلي اللهم على محمد وال محمد وارحمنا بمحمد وال محمد .. وبفضل الله تعالى انتهت الحلقات الرائعة لهذه السلسلة ونسألكم الدعاء .. |