بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطاهرين
(( لبيك ياحسين ))
محاضرة سماحة الشيخ محمد العوامي في حسينية البتول (( دار ام البنين )) يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء 5-1-1431 ليلة السادس من محرم الحرام
(( تزكية النفس ))
يقول تعالى : ((
قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ))
- سعادة الفرد والمجتمع مبنية على صلاح النفس , وصلاح النفس بحاجة للجهاد فجهاد النفس هو الجهاد الأكبر !
يقول الإمام الباقر في وصيته لصاحبه جابر الجعفي :
«ان المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها فمرّة يقيم أودها ويخالف هواها في محبّة الله، ومرّة تصرعه نفسه فيتّبع هواها فينعشه الله فينتعش، ويقيل الله عثرته فيتذكر
»
يقول الشاعر:
إنــي ابتليــــت بأربــــع ما سلــطوا ***** إلا لشــدة شقـــوتي وعنائــي
إبلــــيس والدنيــا ونفسي والهــوى ***** كيف الخلاص وكلهم أعدائي وأرى الهوى تدعو إليه خواطري ***** في ظلمة الشهــوات والآراء
* فالانسان يعيش صراعاً فمرة يصرع نفسه ويغلب هواه ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواه !
فعلى الانسان أن يجاهد ويحاسب نفسه دائماً ويزكيها ليربح ولايخسر ...
* على الانسان أن يستعين بالله عز وجل ويتضرع له بإصلاح نفسه لأنه لاحول ولاقوة الا بالله عز وجل
نقرأ في دعاء أبي حمزة الثمالي :((
وخذ بي سبيل الصالحين وأعني على نفسي بماتعين به الصالحين على أنفسهم))

** نذكر قصة هلال بن أحمد العبرتائي الذي عاصر الامام الحسن العسكري عليه السلام :
هذا الرجل صرعته نفسه الامارة بالسوء واتبع هواه ,, حتى وصل للغلو وصار مذهبه فاسداً فورد في حقه اللعن على لسان صاحب الأمر عجل الله فرجه الشريف
قيل أن العبرتائي حج 54 مرة , 20 منها على قدميه ! كان يروي احاديث وروايات عن رسول الله واهل بيته عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ... لكنه لم يزكي نفسه ,, بل كان متصنعاً ,,, لم يستفد من عباداته بل كانت عبادات جوفاء ولذا ورد في حقه هذا الكلام عن الامام العسكري عليه السلام :
(( احذروا الصوفي المتصنع ))
فالعبرتائي لم يكن صادقاً , ورغم عباداته الا انه يظهر مالايبطن اذ كان فاسد الطوية سيئ السريرة ... وورد في حقه عن الامام الحجة عجل الله فرجه الشريف :
(( لم يدعُ المرء ربه بان لايزغ قلبه بعد أن هداه ولم يسأل الله ان يجعل ايمانه مستقراً ....))
من قصة العبرتائي نستفيد الآتي :
* ينبغي على المرء أن يستفيد من عباداته كمايجب :
فالصلاة فيها تربية للنفس ,, وفي الصوم تدريب للنفس على الانضباط فنحن نمسك عن المفطرات كلها ,,وفي هذا تعويد على الانضباط يقول تعالى : ((
يا ايها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كماكُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ))
أي كي تصبح لدينا ملكة التقوى ,,,
يقول بعض العلماء في الصوم :
(( لولم يكن في الصوم الا الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيمية ,الارتقاء الى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية لكفى به فضلاً وشرفاً ومنقبة ))
اما الحج والذي يستحب في كل عام مع القدرة وكذلك العمرة التي تستحب على الاقل كل عام في رجب ,,,
الحج له فلسفة عظيمة وفوائد كثيرة ,,, به نحقق معنى التوحيد الصادق والخالص لله عز وجل اذ نترك زخارف الدنيا وملذاتها .... ونتفرغ للعبادة والمناجاة ...ونبتعد في تلك الفترة عن كل معصية واثم ....
كل هذه العبادات لها فوائد ان لم نأخذ بها سنخسر ,,, ونفشل كمافشل العبرتائي ...
نقرا في دعاء الصباح ( (
وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان فقد وكلني خذلانك الى حيث النصب والحرمان ))
** (( ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ))
ينبغي التضرع في كل يوم بهذا الدعاء لله عز وجل .
((
كتاب (( تزكية النفس )) كتاب لطيف للسيد الحائري حفظه الله يصل الى اكثر من 600 صفحة يتحدث حول ضرورة التضرع الى الله عز وجل ...
الأمر الثاني : ينبغي لنا أن نسعى دائماً لإصلاح النفس ....
فحين يرتكب الانسان ذنباً أو خطيئة عليه ان يتوب مباشرة ,,فتراكم الذنوب يؤدي الى تغطية القلب بالسواد ,,اما التوبة فتغسل القلب وتطهره ,,وتزال النكتة السوداء التي يسببها الذنب ....
قال الباقر (ع) :
ما من شيء أفسد للقلب من خطيئته ، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتّى تغلب عليه ، فيصير أعلاه أسفله .
** من الأمور المفيدة في تزكية النفس الخشوع في الصلاة والاستغفار وكثرة السجود والاطالة في السجود
جاء رجل وطلب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون معه في الجنة فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : (( أعنّي بكثرة السجود ))
** في كتاب الشيخ التبريزي المسمى بـ ((
المراقبات )) توجد قصة طريفة :
سأل الشيخ التبريزي أستاذه _الذي هو عالم كبير يرجع اليه الطلاب في موضوع اصلاح النفس وتزكيتها _ ,, سأل التبريزي أستاذه وقال : علمني شيئاً ينفعني في تزكية النفس ؟
قال : انصحك بشيئين مجربين :
1- طول السجود
2- أن تلبس في يدك دائماً خاتماً من عقيق أو فيروزج ....
** طول السجود : بان تسجد في كل يوم سجدة طويلة وتقول : (( لاإله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين )) وتكرر هذا الذكر ....
** في هذا القول اعتراف بذنبك وتنزيه لله عز وجل من أن يكون قد ساهم في كونك مذنباً !
وأقرب مايكون العبد الى الله إذا كان ساجداً ...
عمل الطلاب بقول الاستاذ وكانوا يكررون هذا الذكر 3000 مرة ,,لأنهم وجدوا فائدة السجود الطويل وتكرار هذا الذكر ...في صراعهم مع نفوسهم ... وجهادهم لها ....
** كان الامام السجاد عليه السلام يسجد على الحجارة الخشنة ويقول 1000 مرة ان لم يكن اكثر :
(( لا اله الا الله حقاً حقاً ,لااله الا الله تعبداً ورقاً ,,لااله الا الله ايماناً وتصديقاً ))
قال السيد صالح النجفي المعروف بالقزويني رحمه الله تعالى من قصيدة :
في الامام الكاظم عليه السلام يقول :
طالـت لطول سجـود منه ثفنتـه فقرحـت جبهـة منـه و عرنينـا رأى فراغتـه فـي السجـن منيته ونعمـة شكـر البـاري بهـا حينا
2- ارتداء خاتم عقيق او فيروزج ....
يعلق الشيخ التبريزي على وصية استاذه قائلاً :
(( نحن لانخلو من معاصي دائمة تعودنا عليها فليكن بإزاء ذلك ومقابل ذلك عمل حسن نعمله بشكل مستمر مثل ان نضع خاتم من عقيق او من فيروز او غيرهما في ايدينا ...))
العبرتائي الذي ذكرناه في البداية ,,فشل في حربه مع نفسه كمافشل عمر بن سعد ...
التقى علي بن ابي طالب بعمر بن سعد وهو في شبابه فقال له : ياعمر انك ستُخير بين الجنة والنار فتختار النار !
مرت الايام وخُير عمر بن سعد بين الجنة والنار ,,بين ان يترك قتل الحسين ويترك ملك الري ,,وبين ان يقتل الحسين لياخذ ملك الري !

فصرعته نفسه الامارة بالسوء واختار النار باختياره قتال الحسين بن فاطمة الزهراء عليهما السلام ...
قال له ابن زياد : اذهب لقتال الحسين ,,لم يقبل بذلك فقال له ابن زياد : ان لم تقبل فأعد لنا عقد ولاية الري ...فقال عمر : امهلني حتى افكر في الامر !!!
ذهب يفكر فغلبه هواه وقال ابيات شعر تبين كيف صرعته نفسه :
فو الله ما أدري وأنّي لواقف ** أفكر في أمري على خطرين
أأترك ملك الري والري منيتي ** أم أرجع مأثوماً بقتل حسين
ففي مثله النار التي ليس دونها ** حجاب وملك الري قرّة عيني
يقولون ان الله خالق جنة و نار و تعذيب و غل يدين فإن صدقوا فيما يقولون إنني أتوب الى الرحمن من سنتين
وهكذا : عزم على قتال الحسين عليه السلام ,,ومنّى نفسه بالتوبة !!!!
عكس ذلك تماماً حصل مع الحر بن يزيد الرياحي الذي جعجع بآل البيت عليهم السلام ,, وارعب بنات الرسالة ,,, لكنه بعد ذلك تاب واستشهد بين يدي الحسين عليه السلام ,,,
رآه صاحبه مهاجر يرتعد فتعجب من حاله وقال له : لوقيل لي من اشجع اهل الكوفة لماعدوتك ,,لماذا ترتعد؟؟
قال : إني أخير نفسي بين الجنة والنار ووالله إني لااختار على الجنة شيئاً لوقُطعت وأحرقت !
ثم اعتذر للإمام الحسين عليه السلام عن جعجعته لهم واستذنه في القتال حتى استشهد خير شهادة ...
** أما حبيب بن مظاهر الاسدي فقد ذهب ليخضب لحيته فاشترى صبغاً من السوق ,,وفي السوق رأى مسلم بن عوسجة ,,واخبره مسلم عن حال الحسين وان اهل الكوفة غدروا به ,,,فرمى حبيب الصبغ من يده وقال : لن اصبغ كريمتي الابدم منحري دون الحسين عليه السلام
ثم أتته رسالة من الحسين عليه السلام يقول فيها :
(( أما بعد ياحبيب بن مظاهر النجيب فقد نزلنا بكربلاء وبانت من اهل الكوفة الخيانة كما خانوا بأبي سابقاً وبأخي لاحقاً فإن كنت تروم السعادة الابدية فبادر الى نصرتنا والسلام ...))
قرأ حبيب الرسالة وبكى ووضع الرسالة على راسه وعينيه وقال : أفديه نفسي وأهلي ومالي ...
زوجته كذلك كانت تشجعه على مؤازرة الحسين عليه السلام ,,, وقالت أنها ستتأسى بالنساء والاطفال من آل الرسول صلى الله عليه وآله ,,,

فكانت نعم الزوجة النصيرة لزوجها الناصر لأبي عبدالله الحسين سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله ....
فهنيئاً لأنصار الحسين والسلام عليهم ....
عظم الله اجوركم ,,,ونسالكم الدعاء
وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
|