كربلاء كوكب مضيء
بين دفتي الولادة والموت يبحر الانسان في محيط الحياة ، يغالب الامواه الصاخبة ويصارع الريح العاتية وينطلق إلى مرافىء لها طعم الأنواء . فشطآن العالم لا متناهية والسفر عبر السنين اللاضوئية يكون دائماً فيها وراء هذا العالم الدنيوي .
كربلاء ... صفحة من صفحات التاريخ . طواها الزمن لتنبت في كل زمان وصبغت كلماتها بلون النجيع وغسلت بالدموع لترتسم علامة مضيئة على طريق الانسانية .
كربلاء ... ومهما اختلف علماء اللغة في اصل التسمية وتفسيرها ا نما يبقى لها ذلك المعنى الخاص الذي لوحها يوم كان الحسين ابن علي يجاهد تحت ظلال الأسنة .
إنها ارض كرب وبلاء شهدت حرباً لامثيل لها في تاريخ العالم القديم والحديث ، فهي معركة خضبت سيوفها بدماء اولاد النبي .
معركة غيرت مجرى التاريخ وتركت على جبين الدهر علامات لا تمحى فمهما توالت الأيام وطويت صفحاتها ومزقت وريقاتها تبقى هذه الصرخة الحسينية صدى لذلك السيف العلوي المشهور في وجه الطغيان تبقى كربلاء تلك اللاء الحديدية التي يشهدها الزمن وتشهرها الأيام في وجه كل غاضب يحاول أن يجر التاريخ إلى حلباته وهو يظن أنه يمسك بعنان السماء..
كربلاء هي الانسان وجهاً لوجه أمام الحقيقة الساطعة ، هي اندلاع الحق في مواجهة الباطل ، والدرس الانساني في كل زمان ، وعلى أي أرض في هذا العالم السائر إلى حتفه الأكيد .
أنها كوكب مضيء في دائرة الحلم الثوري ، يعلم الانسان كيف يواجه موته في سبيل الحياة وكيف يموت لاجل المبدأ والحقيقة التي لاتطمس معالمها . إن تلك السيوف التي لمعت في سمت كربلاء تعلمنا كيف يمتثل الانسان للأمر السماوي وتزرع فينا القدرة على المقاومة أمام ارزاء الحياة واعاصيرها ، فمن يقاوم الظلم بالقلب يستطيع أن يحرك لسانه بالكلام والقادر على الكلام يستطيع أن يشهر قبضة يده في وجه كل متجبر ، يستطيع أن يقبض على قبضة السيف ويسله رغم امواج الموت المتلاطمة واعاصير الغدر اللاهبة .
ففي كربلاء كانت كأس المنون مترعة والعيون فياضة بسيولها . كانت الانسانية على مذبح العذاب تقدم قرابينها . كانت في اروع مواقفها واغرب فصولها . هي ثورة عالمية تمتد جذورها إلى بدء الخليقة وتتفرع اغصانها لتعانق المستقبل .
نسأل الله القبول .. نسألكم الدعاء .
المصدر : مجلة الموسم ، العدد الثالث عشر- المجلد الرابع.
|