بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلا ة والسلام على النبي الأمين وآله الطاهرين
صلاة الليل الطريق الأقصر لعروج الروح وارتقائها
ذكرنا مُسبقاً برنامجاً يُمكِن للإنسان أن يتَّبّعَه ويلتزم به ليرقى بروحه ويطورها , لكننا لم نتطرق
لـِ "صلاة الليل".
أفردنا لها حديثاً خاصاً كونها تُعَُّد بِحَدِّ ذاتها برنامجاً متكاملاً لعروج الروح لمن يريد أن يسلك طريق العرفان.
 إذاً : صلاة الليل طريق قصير وسريع للرقي والتطوير الروحاني .
نشير إلى ما ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم في شأن صلاة الليل حيث يقول تعالى : " يا أيُها المُزَّمِل , قُم الليل إلا قليلاً , نصفه أو انقص منه قليلاً , أو زد عليه ورتَّل القرآن ترتيلاً , إنا سَنُلقي عليكَ قولاً ثقيلاً , إن ناشئة الليل هي أشَّدُ وطئاً وأقوم قيلاً "
سورة المزمل 1-6
هذه الآيات المباركة نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيها إشارة إلى ناشئة الليل التي هي " صلاة الليل " .
كما وردت آية أخرى يقول فيها الله عز وجل :" إن الحسنات يُذهبنَّ السيئات "
يقول المفسرون : أن المقصود بالحسنات هي صلاة الليل .
وقد ورد في الحديث الشريف : " إن صلاة الليل تذهب بذنوب النهار "
لنتوقف مع آيات سورة المزمل وقفة تفكر :
"إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً " :
ناشئة من " نشأ " لى وزن نثر وتعني الحادثة
وقد ذُكرت ثلاثة تفاسير لبيان المراد من الآية منها :
1- ساعات الليل الحادثة بالتوالي " الآنات " أو الساعات الآخيرة من الليل " السحر " " الثلث الآخير من الليل
كيف نحدد الثلث الآخير من الليل ؟؟
نحدد وقت اذان المغرب وأذان الفجر والفترة الواقعة بينهما نقسمها إلى ثلاثة أقسام والقسم الثالث هو الثلث الآخير ...
مثلاً :
لو كان وقت أذان المغرب عند الساعة الخامسة
ووقت اذان الفجر عند الساعة الخامسة
نحسب عدد الساعات في هذه الفترة = 12 ساعة
نقسمها إلى ثلاثة أقسام :
4 ساعات الأولى هي الثلث الأول من الليل
أي من الساعة 5_ 9
4 ساعات الثانية هي الثلث الأوسط من الليل
أي من الساعة9_ 1
4 ساعات الآخيرة هي الثلث الآخير من الليل
أي من الساعة 1 _ 5
وَ قِس ْ على ذلك واحسب بنفسك ......
فوقتهافي الثلث الأخير أفضل وتكون أكثر فضل كلما أقتربت من آذان الصباح
-2 قول آخر يفسر " ناشئة الليل " بأنها إحياء الليل بالصلاة والعبادة وقراءة القرآن .......
كماورد عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام :
" هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل "مجمع البيان المجلد العاشر
وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية :
" قيامه عن فراشه لايريد إلا الله "
أي أنه يقوم من نومه في وقت يكون فيه الناس نيام ليتوجه إلى ربه ويختلي بمناجاته .
-3 التفسير الثالث لـِ " ناشئة الليل " هو : أنها النشاط الروحي والمعنوي والجذوة الملكوتية التي تحصل في قلب الإنسان وروحه في هذه الساعات الخاصة من الليل .
وذلك لأن وقت " الليل " له تأثير على روح الإنسان ............
حيث ُ يصبح فيه اللسان مُستقيماً ومسدداً أكثر , وبماأن اللسان يُسدد ويستقيم فالأولى أن يُسدد" الداينامو" لهذا اللسان وهو القلب .
** التفسيران الثاني والثالث متلازمان ويمكن الجمع بينهما لتفسير المراد من الآية الكريمة :
وطئاً : من وطئ القدم
وهي بمعنى العناء والمشقة الحاصلة في العبادة
أو أنه بمعنى التأثيرات الثابتة والراسخة الحاصلة من شعاع هذه العبادات في روح الإنسان
يقول : " والمعنى الثاني أوجه " .... تفسير الأمثل ج19 ص81
إذاً : صلاة الليل صلاة مباركة لها آثار بالغة الفعالية على الروح .......
نذكر مقدمة قبل الدخول إلى أحكام هذه الصلاة المباركة .
***الإنسان له جانبان أحدهما مادي والآخر معنوي , فإذا تغلّب الجانب المادي أدى ذلك إلى دمار الإنسان , وإذا ماتغلب الجانب المعنوي فإن أمره قد لايستقيم .
فالمادي مثلاً : يترك العبادات ويلتفت إلى الدنيا والمال والملذات فقط ,
المعنوي على العكس : يترك الدنيا بقصد الزهد فإذا به يُقصِّر في حق نفسه وأهله وأقرب الناس إليه !
حين مر رسول الله على رجل يكدح ليطعم عياله وعيال أخيه
سأل عن أخيه
فأجابوه بأنه يصوم النهار ويصلي الليل !
ولايعمل ! وأخوه يصرف عليه وعلى عياله
فامتدح الرسول العامل منهم ولم يقر العابد على تركه للدنيا
المطلوب هو الموازنة بين الجانبين المادي والمعنوي حتى يسعد الإنسان وتستقيم أحواله
قال تعالى : " ولاتنسَ نصيبك من الدنيا "
إذا حصلت الموازنة بين الجانبين المادي والمعنوي يحصل الإطمئنان وتتحقق استقامة أمور الحياة
وتُعّد صلاة الليل من ابرز الأمور والأعمال المعنوية المؤثرة والمباركة في أتزان النفس .
ومما يؤكد لنا أهميتها ومكانتها وفعاليتها هو أنها كانت واجبة على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي مستحبة على أمته .
يقول الإمام الصادق عليه السلام : " ليس من شيعتنا من لم يُصّلِ صلاة الليل "
وسائل الشيعة ج5 ح8 ب 40
ويُقصد بذلك " أنهم ليسوا من الشيعة الكملاء "
**** فَهِم الفقهاء من هذا الحديث استحبابية صلاة الليل وقد اكّد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في رواياتهم المتعددة على أهمية صلاة الليل منها:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين-عليه السلام- :
"ياعلي عليك بصلاة الليل
ياعلي عليك بصلاة الليل
ياعلي عليك بصلاة الليل"
الوسائل ج5 ح1 ب39
التكرار 3مرات يفصح عن أهمية ومكانة هذه الصلاة المباركة
عن أبي عبد الله ( ع ) : إن من روح الله عز وجل ثلاثة : التهجد بالليل ، وإفطار الصائم ولقاء الأخوان وسائل الشيعة ج5 ح21 ب 39
كيفية صلاة الليل :
إحدى عشر ركعة تُصلى ركعتين ركعتين ثم ركعة واحدة تسمى ركعة الوتر
الركعات الثمان الأولى تسمى " نافلة صلاة الليل "
ركعتان تسميان " ركعتا الشفع"
والركعة الآخيرة تسمى " الوتر "
لهذه الصلاة أحكام خاصة بمن لايتمكن من الإتيان بها كاملة أو بسبب ضيق الوقت أو العمل .....الخ
فلها أحكام مُيّسرة وذلك حرصاً على الإتيان بها وعدم تفويتها وتضييع بركتها .... ومن هذه الأحكام :
1- صلاة الليل إحدى عشر ركعة , يصلي عشر ركعات كل ركعتين بسلام ثم الركعة الاخيرة" الوتر " بسلام .
2- ركعات تسمى " نافلة صلاة الليل " , ركعتان تسميان ركعتا الشفع , وركعة واحدة هي الوتر
-3 يقول بعض العلماء أن الذي يصلي " نافلة صلاة العشاء " من جلوس" الوتيرة " كأنما أدرك صلاة الليل .
-4 نافلتا الشفع والوتر افضل من نوافل الليل الثمان .
- 5يجوز " يمكن " للمصلي أن يكتفي بالشفع والوتر لايأتي بالركعات الثمان _ وهذا منصوص عليه في الروايات "
وهذه نقطة مهمة لمن لايسعفه الوقت أو القدرة أو يتعلل بطول الصلاة فيتركها .
6- إذا لم يتمكن من الإتيان بركعتي الشفع مع الوتر فتكفيه ركعة الوتر فقط !
فإذا لم يتمكن بسبب طول الصلاة أو عدم الإقبال , صلاهابمفردهاوأتى بها بقصد الرجاء بمعنى أنه ينوي : أن الشارع لوشرّع نافلة الوتر وحدهامن دون الإتيان بنوافل الليل فأني أصليهاقربة إلى الله تعالى وتسمى بــِ " رجاء المطلوبية "
وقت صلاة الليل :
انتظروا التكملة في الحلقة المقبلة
اللهم صلّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وفرجنا بهم ياكريم
|