يوميات حوزة البتول العلمية _بـِ العوامية_ (( الأسبوع الحوزوي الثامن )) [65] .:. يوميات حوزة البتول العلمية _بـِ العوامية_ (( الأسبوع الحوزوي السابع )) [49] .:. يوميات حوزة البتول العلمية _بـِ العوامية_ (( الأسبوع الحوزوي السادس )) [64] .:. يوميات حوزة البتول العلمية _بـِ العوامية_ ( الأسبوع الحوزوي الخامس )) [44] .:. فيلم ( 313 ) الرائع عن الامام المهدي عجل الله فرجه [77] .:. ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور [58] .:. إلى ضلعيكِ يا زهراء ضُميني ! [80] .:. رواية (وكانت صديقة) تحكي قصة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام [68] .:. دورات مشتركة بين مؤسسة احباب اهل البيت "ع" ومؤسسة عين الحياة القطيفية بالعراق [63] .:. شاركونا العزاء في ذكرى الهجوم على دار فاطمة الزهراء واسقاط جنينها ليلة الثلاثاء [61]


عدد الزيارات
299033
  المرجع الشيرازي(دام ظله)شهررمضان بناء النفس والمجتمع عدد القراءات: 82   
خدام المرجعية  2008/09/03

شهر رمضان شهر بناء النفس والمجتمع

محاضرة  للمرجع الديني

آية الله العظمى سماحة السيد صادق الشيرازي (دام ظله)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين

 واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

 

مقدمة:

 

في الخطبة التي خطبها رسول الله صلى الله عليه و آله في استقبال شهر رمضان المبارك وردت عبارة ذات أهمية قصوى و هي قوله صلى الله عليه و آله : و جعلتم فيه من أهل كرامة الله , فإن كلمة ( كرامة الله ) لم تنقل على لسان الروايات كثيراً , و لم ترد إلا في موارد خاصة لما لها من أهمية في نظر أهل البيت سلام الله عليهم , حيث وردت في قول النبي صلى الله عليه و آله للإمام علي سلام الله عليه  في تزويجه بالزهراء سلام الله عليها : فإن الله تعالى أكرمك كرامة لم يكرم بمثلها أحداً , و قول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في بعثة النبي صلى الله عليه و آله :

حتى أفضت كرامة الله سبحانه و تعالى إلى محمد صلى الله عليه و آله فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً

 و هكذا ورد في الروايات الشريفة بشأن زائر الإمام الحسين سلام الله عليه .

إذا كان بعض الناس قد بلغوا هذه المرتبة, أي صاروا أهل كرامة الله, فإن كل مؤمن في هذا الشهر الكريم ( شهر رمضان المبارك ) قد جعل من أهل كرامة الله تعالى.

وهذه الكرامة لا تخص الصائمين فقط بل هي تشمل حتى أصحاب العذر الشرعي الذين يسوغ لهم الإفطار كالمسافر و المريض.

إن هذه الكرامة هي لهذا الشهر الكريم , للياليه و أيامه, و كل ساعاته .

فالعناية الإلهية تشمل الجميع, و لكن بما أن إحدى صفات الله تعالى المهمة و من أسمائه الحسنى (( الحكيم )) أي الذي يضع الشيء في موضعه , فهذا معناه أن التوفيق الإلهي و إن كان شاملاً في شهر رمضان لكل العباد , إلا أن قدراً منه يرتبط بمقدار همتنا و توجهنا و جهدنا .

أذكّر في هذه المناسبة بموضوعين :

 أولهما عام , و هو بناء النفس – و إن كنا نحن أهل العلم مشمولين به أيضاً.

 والثاني خاص و هو التبليغ, و هكذا الأمر يتعلق بنا نحن ( أهل العلم ) غالباً , و إن كان الآخرون مشمولين به أيضاً و لكن بدرجات متفاوتة .

1.  شهر رمضان فرصة مناسبة لبناء الذات

إن شهر رمضان المبارك هو شهر بناء الذات و تغيير النفس , و هذا الأمر مطلوب من الجميع , يستوي في ذلك أهل العلم و غيرهم , و مهما يبلغ المرء درجة في هذا الطريق فثمة مجال للرقي أيضاً .

يقول النبي صلى الله عليه و آله: فإن الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم.

و هذا معناه لو أن أحداً أهمل بناء نفسه في هذا الشهر المبارك و قصر حتى مر عليه و لم ينل تلك المغفرة الإلهية التي هي أوسع و أسرع و أعظم فيه منها في سائر الشهور, فإنه هو الشقي حقاً. و هذا هو المستفاد من الروايات , لأن بناء الذات واجب عيني في حد أداء الواجبات و ترك المحرمات . فعلى الإنسان أن يحاول في هذا الشهر المبارك أن يعمل حتى يبلغ مرحلة يعتقد فيها أنه تغير فعلاً و أنه أصبح أحسن و أفضل من السابق.

لا شك أن كل إنسان يتمنى لنفسه التغيير نحو الأفضل, و لكن المسألة ليست بالأماني, فبالأماني وحدها لا يتحقق التغيير, بل هو بحاجة إلى عزم و تصميم و متابعة و مثابرة و جد و اجتهاد. (( فمن لم يقصر في المقدمات يوفق في النتائج بلا شك ))؛ لأن هذا هو الهدف الأصلي لخلق الإنسان, و هو صريح القرآن الكريم؛ قال تعالى:

(وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) أي ليرحمهم.

فهل يعقل أن يضع الإنسان نفسه موضع الرحمة بأن ينبري لطاعة الله و التقرب إليه, ثم لا يرحمه الله تعالى ؟! فهذا محال في منطق الحكمة و العقل , ولا إمكان له , فضلاً عن و قوعه – و حاشا لله ذلك – و لكن على الإنسان أن يَصدُق مع نفسه و يسعى في هذا المجال ليتحقق له ما يصبو إليه ؛ قال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه :

(من طلب شيئاً ناله أو بعضه)

إن الصلوات و الأدعية و الزيارات و الأعمال الواردة في شهر رمضان المبارك بنفسها معدات لتحقق بناء الذات , بيد أن المرء قد لا يسعه الوقت للقيام بها كلها , بسبب تزاحمها مع مشاغل أخرى قد تكون مطلوبة هي الأخرى كالتبليغ مثلاً .

إذن فليس هناك طريق للتوفيق أسهل من طريق محاسبة النفس , لأنها مطلوبة جداً و لها تأثير كبير على الإنسان , ففي كتب الروايات كالكافي و البحار و غيرهما باب مستقل في محاسبة النفس , و هناك روايات معتبرة و صحيحة سنداً عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم مضمونها أنه:

( ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم فإن عمل خيراً استزاد و إن عمل شراً استغفر) .

إذن فليخصص المرء كل يوم من شهر رمضان بعض وقته و يخلو فيه, ليراجع ما قد مضى منه خلال الساعات الماضية, فينظر ما عمل و ما قال و ما سمع و ما رأى و ما أخذ و ما أعطى, و كيف تصرف مع زوجته و أطفاله و أصدقائه و زملائه ؟ و باختصار: ليدقق مع نفسه فيم صرف وقته؟  ليصمم بعد ذلك على أن يزيد من حسناته و يقلل من سيئاته .

محاسبة النفس أسهل الطرق لبناء النفس

و هذا الطريق بنفسه يمكن أن يصل بالمرء في هذا الشهر إلى موقع بحيث يستوى عنده الدينار الواحد و المليار دينار بما هو مال , فلا يركض خلف الأول كما لا يأسى على فقد الثاني , بل تراه يهتم بفقدان ثواب الله , فلا يتهاون عن الإتيان بالفضائل التي يمكنه الإتيان  بها , حتى و إن كانت الفضيلة قول ( أستغفر الله ) مرة واحدة أو الاستمرار على تكرارها طيلة الشهر الكريم كله !!

يمكن للإنسان أن يصل عن هذا الطريق إلى مراتب عالية , و قد وصل كثيرون درجة حيث لم يعد يزيد الترغيب في اندفاعهم و لا يقلل التثبيط من عزمهم , مع أنهم بشر لهم شهوات و رغبات و يدركون معنى الترغيب و التثبيط و لكن الإدراك شيء و التأثر به شيء آخر.

لا شك أن الترغيب يكون مفيداً خصوصاً في حالات التزاحم أو الشروع , و مثاله : أن تكون مواظباً على قراءة دعاء ما في كل ليالي شهر رمضان , و لكن صور لك شخص أن دعاء آخر أكثر ثواباً في ليلة ما من ليالي الشهر , و لم يكن عندك وقت لأداء الاثنين , فهنا يمكن أن يدفعك الترغيب للتخلي عن الدعاء الأول لصالح الثاني , فالتأثر بالترغيب هنا جاء من باب الإتيان بالأولوية للوصول إلى المراتب العليا , أما لو كنت متكاسلاً عن التوجه للدعاء أصلاً فيرغبك شخص بالقول إن ثواب هذا الدعاء عظيم فلا تدعه , فيكون ترغيبه هذا من حيث الشروع في العمل , و قد يحصل العكس – أي التثبيط – بأن يثبطك آخر فيدعوك للسمر و ترك الدعاء قائلاً إنك قد قرأته في اغلب الليالي فدعه الليلة . فمثل هذا الترغيب و التثبيط يكونان سواء عند بعض الأشخاص في عدم التأثير به في ترك العمل أو الإتيان به , فلا الترغيب يدفعهم أكثر و لا التثبيط يضعفهم و يقلل من اندفاعهم .

و لا شك أن بلوغ هذه المرحلة يتطلب عملاً كثيراً و مواظبة جادة ؛ فللشهوات أثرها السلبي و كذلك الشياطين و أصدقاء السوء , و لكن إذا اقتنع الإنسان بإمكانية الوصول و توكل على الله تعالى , فإن هذا الاعتقاد بنفسه سيوصله , و من مفاتيحه السهلة محاسبة النفس ؛ وذلك بأن يكون الشخص ملتزماً بتحديد أوقات من اليوم يراجع فيها نفسه , بشرط أن يكون الوقت مناسباً , فلا يكون عند الجوع أو الشبع أو انشغال الذهن بأمر آخر قد يحول دون التأمل و التفكير جيداً بل يكون في وقت يمكنه الاختلاء بنفسه و مراجعة ما قد صدر منها .

يقال: إن بعض الأفاضل طلب من أستاذه العالم أن ينصحه نصيحة تنفعه طيلة عمره, و كان على وشك مفارقته, فقال له العالم:

 خصص لنفسك كل يوم وقتاً تحاسب فيه نفسك, و إن قلَّ. يقول ذلك الفاضل: عملت بنصيحة أستاذي العالم حتى أصبحتْ محاسبة النفس حاضرة في ذهني ما دمت مستيقظاً.

و هذا يدل على ارتكاز الحالة في ذهنه حتى لكأنها صارت مِلكة عنده .

أرأيت نفسك إذا كنت تترقب وقوع أمر محبوب لنفسك كتعيينك في منصب مثلاً, فإن هذا الأمر لا يغيب عن ارتكازك الذهني حتى تنام, بل قد يراودك حتى في نومك.

إنك في مثل هذه الحالات , تحاول أن لا تعمل خلال هذه المدة كل ما من شأنه أن يحول دون تحقق ذلك الأمر المحبوب لك , و قد تنجح في ذلك ؛ لأن القضية حاضرة في ذهنك ما دمت مستيقظاً , و يعود الارتكاز بمجرد استيقاظك من النوم مرة أخرى , و الدليل على ذلك عودته إلى التأثير في تصرفاتك و عدم القيام بما يتزاحم معه.

هكذا هو حال من كان الله تعالى حاضراً عنده دائماً , فإن محاسبة النفس لا تغيب عنه ما دام مستيقظاً , و هذا ممكن بترويض النفس بأن يخصص المرء وقتاً من يومه يزيده قليلا كل يوم , يراجع فيه نفسه و ينظر إلى أعماله و نواياه , فكلما رأى خيراً شكر الله و طلب الزيادة و سعى لها , و كلما رأى شراً استغفر الله و طلب منه التوفيق للإقلاع عنه .

و شهر رمضان خير فرصة لهذه التجربة , و لو أضيف إليه عشرة أيام من شهر شوال لتصبح أربعين يوماً فذلك خيرا ؛ إذ أن الحالة قد تقترب من المِلكة التي يصبح التخلي عنها بعد ذلك مستبعداً , لأن الشخص بعد تروضه يحس بلذة لا تضاهيها أية لذة مادية أخرى.

فلو وضعت كل اللذات المادية في جانب , و وضعت إحدى اللذات المعنوية في جانب آخر لرجحت الأخيرة , لأن اللذة المعنوية واقعية و خالدة , أما اللذة المادية فاعتبارية مصيرها إلى الزوال – إن لم نقل إنها و هم و خيال.

روي عن بعض من وفق لزيارة و لقاء الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف أنه كان يقول: لقد بلغت مرحلة يكون فيها المرض أحب إلي من الصحة, و الفقر خير لي من الغنى.

و لقد كان صادقاً في قوله لأنه كان يلتذ باللذات المعنوية بدل اللذات المادية .

و لكن القول الأصح هو ما عرف عن أئمة آل البيت سلام الله عليهم , و هو : الرضا بما قدر الله , فإنهم سلام الله عليهم لا يريدون المرض و لا الصحة , و لا الفقر و لا الغنى بل ما قدر الله , فهو مرادهم أيضاً .

فليصمم كل واحد منا منذ أول شهر رمضان المبارك على تخصيص وقت لمحاسبة نفسه كل يوم, و ليدعوا الذين وفقوا لذلك, لمن لم يوفقوا أو قلّ توفيقهم, عسى الله أن يوفقنا جميعاً.

2 . شهر رمضان و التغيير الاجتماعي

أما المسالة المرتبطة بأهل العلم في الغالب – و إن كانت عامة أيضاً و لكن بمراتب – فهي مسألة التبليغ و الدعوة إلى الله تعالى.

يقول الإمام الصادق سلام الله عليه : ... و كونوا زيناً و لا تكونوا شيناً.

و الزين على درجات و مراحل.

فتارة يسعى أحد أهل العلم أن لا يفعل أو يتكلم ما من شأنه أن يسئ للإسلام , فهذه مرحلة , و هي مرحلة مهمة و لا بد منها .

وتارة يسعى أحدهم لأن يتصرف بنحو يؤثر في الناس من خلال سلوكه و تعامله مع الآخرين . و هذه مرحلة أعلى, و هي المعنية بقول الإمام سلام الله عليه في رواية صحيحة:

(كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم).

 و هذا لا يعني ترك الدعوة باللسان, بل عدم الاكتفاء بها لأنها مطلوبة أيضاً, و لكن الدعوة بالعمل أفضل منها.

لو لاحظ ذوونا و زملاؤنا أنا نسعى لأداء صلواتنا في أوقاتها فإنهم سيلتزمون بذلك في الغالب حتى لو لم ندعهم بألسنتنا .

و هذا لا يعني عدم وجود استثناءات و لكن التبليغ العلمي و التربية و الدعوة من خلال العمل بطبيعتها تؤثر أكثر من الدعوة باللسان آلاف المرات . فما فائدة أن تدعو ابنك لأداء صلاته أول الوقت و هو يراك لا تكترث بذلك ؟!

أن الذين عايشوا أشخاصاً اعتقدوا بصلاحهم – لمّا لاحظوهم يسعون ألا تختلف أفعالهم عن أقوالهم – هم أفضل في الغالب من الذين استمعوا آلاف المواعظ , دون أن يروا نماذج عملية تجسدها.

الاعتبار ببعض أهل العلم

أعرف اثنين من أهل العلم, كلاهما توفيا رحمهما الله و كان أحدهما متقدماً على زميله في كثير من المجالات, كالمستوى العلمي و الذكاء و الأساتذة و... إلا أن زميله كان أكثر تأثيراً في المجتمع بمراتب كثيرة.

أذكر نموذجين من عملهما رحمهما الله ؛ كان الأول أي المتفوق علمياً , في أحد الأيام جالساً في إحدى المشاهد المقدسة منشغلاً بقراءة الزيارة أو الدعاء , و كان المكان مزدحماً بالزوار , فجاءه شخص من عامة الناس و بيده مصحف و طلب منه أن يستخير الله تعالى له , و لم يكن يحب أن يقطع أحد عليه خلوته و دعاءه , فأشار إلى الشخص أن يذهب إلى غيره , و لكن الشخص لم ينتبه فتصور أن العالم لم يلتفت إليه , فتقدم إليه بالمصحف مقترباً منه قليلاً و أعاد طلبه . و مرة أخرى أشار له العالم بالذهاب إلى غيره .

و لم يلتفت الرجل أيضاً – لأن من عنده مشكلة, لا يلتفت بالإشارة و ما أشبه عادة – فاقترب أكثر و كرر طلبه. فغضب العالم و لكنه لم يكلم الرجل لأنه رأى أن الوقت الذي ستستغرقه الاستخارة ربما يكون أقل . و عندما أخذ منه المصحف رآه مقلوباً , و هنا لم يتمالك نفسه فشرع يصرخ في وجه الرجل قائلاً : لقد شغلتني عن قراءتي و قطعتني عن توجهي , و ما أشبه من هذه الكلمات , و لكن ذلك الرجل كان غارقاً في همومه غير ملتفت إلى الموضوع أصلاً , فعجب منه و انصرف . أما ذلك العالم الآخر – أي زميل هذا العالم – فطالما رأيته في حر الظهيرة و العرق يتحدر على وجهه, إذ يقبل عليه شخص فيطلب منه سؤالا أو استخارة, و أحياناً يكون السائل صبياً أو طفلاً صغيراً , فكان رحمه الله يجيبه و هو في مكانه و لا يطلب منه التحول إلى الظل رغم أنه لم يكن يبعد عنه أكثر من مترين !

و مثل هذا الإنسان بطبيعة الحال أسعد حالاً , و أقل معاناة من غيره في الحياة الدنيا , لأنه لا يفكر عند النوم إلا في هم آخرته , أما الدنيا فلا يكترث بها , فروحه لا تشعر بالألم و إن كان بدنه في بعض العناء .

و هذا لا يعني أنه لا يشعر بالمشاكل المادية و لا يفكر في حلها, بل أنها لا تشغل ذهنه و لا تعذبه.

و لتوضيح الحالتين نضرب مثالين : إذا سقط ابن جار لك من على السطح أو وقع فريسة مرض عضال فإنك قد تهرع لمساعدته و لا تقصر في تقديم المعونة له , و لكن حالتك النفسية و الروحية تختلف عما لو كنت أنت المبتلى أي كان المريض ولدك , فإنك في الحالة الثانية تتعرض لضغط روحي و آلام نفسية قد لا تشعر بها في الحالة الأولى .

إذا سنحت لكم الفرصة قوموا بزيارة لمستشفيات الأمراض العقلية؛ هل ترون فيهم مؤمناً حقا؟ً  راجعوا التاريخ هل تجدون بين المنتحرين مؤمناً حقيقياً ؟ و ليس المقصود بالمؤمن من يصلي و يصوم فقط بل ( الذين إذا ذكر الله و جلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً و على ربهم يوكلون ) .

إنك قد تجد من بين مرضى المصحات العقلية الشاب القوي و المرأة الجميلة, و الوزير و الرئيس و المليونير, و لكن لا تجد فيهم مؤمناً واحداً؛ و ذلك لأن المؤمن لا يتحطم إلى تلك الدرجة؛ فما أعظم قيمة الإيمان.

و هذا بحد ذاته إحدى ثمرات التربية العملية و الدعوة العملية التي نتحدث عنها. و لذلك تراني أتذكر اليوم قصة هذين العالمين رغم مرور عشرات الأعوام عليها .

و هكذا قد يتذكر الإنسان في الشدائد بعض المواقف العملية بسرعة و لا يتذكر أيا من الآيات و الروايات أو المواضيع التي قرأها أو سمعها أو قالها.

 لنتعلم من أهل البيت سلام الله عليهم

فلنسعَ لتقديم النماذج العملية للناس و هو ما أراده و طلبه منا الأئمة الأطهار سلام الله عليهم أجمعين, و لا يقتصر دورنا في هذا المجال على أنفسنا بل علينا أن نُحول دون ابتعاد الناس عن الإسلام و علماء الدين.

فإذا ما صدر من أحد أهل العلم تصرف مشين نسعى لتداركه و لا نقل إنه تصرف شخصي و لا علاقة لنا به, بل علينا أن نحاول تداركه لئلا يبتعد الناس بسببه عن الدين و المذهب.

و لنا في أئمتنا سلام الله عليهم أسوة . فهذا أمير المؤمنين سلام الله عليه قد ترك حقه مخافة أن يرتد الناس, فإن كنا مأمومين بالإمام سلام الله عليه – و لكل مأموم إمام يقتدي به – فلنقتد بإمامنا سلام الله عليه في هذا المجال أيضاً.

و لنا في موقف الإمام الحسين سلام الله عليه مع الحر و أصحابه في كربلاء قدوة أيضاً , فإن الإمام سلام الله عليه سقاهم الماء مع أنه كان يعلم أنهم – إلا الحر – قاتلوه بعد ساعة! و كانت مهمتهم تسليم الإمام سلام الله عليه لابن زياد , فكانوا أظهر مصاديق البغاة و المنافقين و المحاربين و الخوارج و النواصب لا شك في ذلك و لا شبهة !

و كانوا مسلحين لكي يجبروا الإمام على التسليم و الاستلام و إن لزم الأمر باللجوء إلى القوة.  و لكن تصرف الإمام سلام الله عليه هو مما أبقى التشيع حياً فلم يكن مهماً عند الإمام أن يسقى القوم و إن اقتضى أن يرتجل و يرشف خيولهم بنفسه, كما تقول الروايات, إنما كان المهم عند الإمام هو الإسلام و دعوة الناس إليه.

و هكذا كان تصرف النبي صلى الله عليه و آله مع مشركي بدر , و كذلك سقى الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أصحاب معاوية في صفين .

كلكم سمعتم بقصة خالد بن الوليد و ما فعله مع بعض القبائل المسلمة, و لكن الرسول صلى الله عليه و آله لم يكتف بالبراءة من صنع خالد, و إنما أرسل الإمام علياً سلام الله عليه ليديّهم (أي يدفع لهم الديّة ):

عن فضالة عن أبان عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر سلام الله عليه قال:

( بعث رسول الله صلى الله عليه و آله خالد بن الوليد إلى حي يقال لهم بنو المصطلق من بني جذيمة و كان بينهم و بينه و بين بني مخزوم إحنة في الجاهلية , فلما ورد عليهم كانوا قد أطاعوا رسول الله صلى الله عليه وآله و أخذوا منه كتاباً فلما ورد عليهم خالد أمر منادياً فنادى بالصلاة فصلى و وصلوا, فلما كان صلاة الفجر أمر مناديه فنادى فصلى وصلوا, ثم أمر الخيل فشنوا فيهم الغارة فقتل و أصاب .

فطلبوا كتابهم فوجدوه فأتوا به النبي صلى الله عليه و آله و حدثوه بما صنع خالد بن الوليد. فاستقبل صلى الله عليه و آله القبلة ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .

ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه و آله تبر و متاع , فقال لعلي عليه السلام : يا علي ائت بني جذيمة من بني المصطلق فأرضهم مما صنع خالد .

ثم رفع صلى الله عليه و آله قدميه فقال: يا علي اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك.

فأتاهم علي عليه السلام, فلما انتهى إليهم حكم فيهم بحكم الله , فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه و آله , قال : يا علي أخبرني بما صنعت ؟ فقال : يا رسول الله عمدت فأعطيت لكل دم دية و لكل جنين غرة و لكل مال مالاً , و فضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم و حبلة رعاتهم و فضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم و فزع صبيانهم , و فضلت معي فضلة فأعطيتهم لما يعلمون و لما لا يعلمون , و فضلت معي فضلة فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله . فقال صلى الله عليه و آله : يا علي أعطيتهم ليرضوا عني ؟ رضي الله عنك يا علي ! إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ).

هذا هو الإسلام . فلنسع لأن نصلح ما خرب غيرنا. و نقول للناس : إن النبي و الأئمة سلام الله عليهم لم يكونوا هكذا بل كانوا صلحاء و مصلحين , فلا تتأثروا بما يصدر عن غيرهم .

في رواية صحيحة – عن الإمام الصادق عن الإمام الباقر سلام الله عليهما – أن الإمام السجاد سلام الله عليه كان مديناً لشخص بأربعمائة دينار ثم وفّاه بعد ذلك . إلا أن الشخص أنكر على الإمام ذلك و طالب بالمبلغ مجدداً أو أن يحلف الإمام بالله تعالى أنه وفّاه, و لكن الإمام أمر ابنه الباقر سلام الله عليهما أن يعطيه المال و لم يكن مستعداً لأن يحلف . و كان الدينار الواحد يمكن أن يشترى به خروف يومذاك , ما يدل أن المبلغ لم يكن قليلاً , و مع ذلك لم يحلف الإمام و هو صادق !

نسأل الله تعالى ببركة أهل البيت سلام اله عليهم, و راعينا الإمام بقية الله الأعظم أرواحنا لمقدمه الفداء, أن يوفقنا جميعاًَ. و صلى الله على محمد و آله الطاهرين .