|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطاهرين
سورة الكهف الآيات ن 28-31.
* " واصبرنفسك "
سورة الكهف يكثر فيها الخطاب الموجه للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهذا مُلاحظ من بداية السورة .
الخطاب الإلهي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفي هذا التوجه له مزيد عناية من الله برسوله صلى الله عليه وآله وسلم كماقال صلى الله عليه وآله : " أدبني ربي فأحسن تأديبي "
** ماهو الأدب الرباني ؟
الأدب الرباني يتجلّى في هذه التوجيهات
مثل: اصبر نفسك , ولاتعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا , ......
هذه هي العناية الإلهية
الخطابات الموجهة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعضها خاص وبعضهما عام لكل الأمة وبذا تشملنا العناية الإلهية بتوجيهاتها.
* سبب نزول هذه الآيات :
يقول المفسرون : " جاء بعض أشراف قريش ليطلبوا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طلباً وهو : يارسول الله , لن نجلس معك حتى تترك مجالسة هؤلاء الفقراء
من هؤلاء الفقراء ؟؟
هم أولئك الفقراء الذين يرتدون الصوف ولايملكون المال والجاه
أمثال : أبوذر الغفاري وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وصهيب الرومي ...
والبعض منهم كان غنياً فافتقر بعد إسلامه نتيجة مقاطعته كـَ مصعب بن عمير.
إذاً : اشراف قريش يريدون إسلاماً طبقيا ً !
فنزلت هذه الآيات لتقول للرسول :
يارسول الله تقرب من أولئك الفقراء المؤمنين
دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد فرآهم يذكرون الله فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين جاء إليهم :" الحمدلله الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبر نفسي مع رجال من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات "
ويقول الرسول في مقامات أخرى :
" الفقر فخري "
و
" اللهم اجعلني من الفقراء "
وغيرها من الروايات المشابهة ....
** هذا لايعني أن الانسان يسعى للفقر , إنما المقصود التواضع للفقراء وإحترامهم لإيمانهم وعدم التمييز بينهم وبين الأغنياء .....
يقول الحديث :" من احترم غنياً لغناه أكبّه الله على منخريه في نار جهنم "
** هنا أيضاً : الاسلام لايذم الغنى والأغنياء إنما يذم احترام الأغنياء لغناهم فالمقياس هو الإيمان .
فينبغي احترام المؤمنين سواء أكانوا أغنياء أم فقراء بناء على إيمانهم لافقرهم وغناهم .
ينبغي التواضع للفقير وكذلك عدم التمييز بينه وبين الغني بحيث إذا دخل الغني عززه وكرّمه وإذا رأى الفقير لم يُبالِ به !
فهذه ليست أخلاق الإسلام.
ولذا يحرص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مجالسة الفقراء من باب عدم التمييز , وليعلم الناس أخلاقيات الدين الإسلامي التي نفت الطبقية الجاهلية
* " اصبر نفسك " مالمقصود بها؟؟
يقول الراغب الأصفهاني في المفردات :
اصبر نفسك هو " الإمساك في الضيق "
وهذا هو الصبر وإلا فالامساك في غير ضيق لايُعد صبراً
* صَبَرَ : فعل لازم غير متعدي
مثلاً نقول : صبر محمد على اجتناب المفطرات
ويقول تعالى : "استعينوا بالصبر والصلاة"
قال بعض المفسرين :" الصبر يعني الصوم "
فأنت تصبر حين تمسك عن الطعام رغم أنك تشتهيه
فالجوع ضيق وأنت تمسك في الضيق
أما أن تمسك وأنت غير جائع فلايعد صبراً
وكذلك الحال مع العطش
أو مصيبة فقد عزيز ... المؤمن يمسك عن الجزع في وقت تميل فيه النفس للجزع وبذا يُعد صابراً
* نعود للآية : " واصبر نفسك "
نفسك : مفعول به
وهذه فيها دلالة على شدة الضغوطات على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكنه يبقى صابرا
* نأتي لماوصف به القرآن أولئك الأشراف الذين طلبوا من الرسول عدم مجالسة الفقراء :
لم يمتدح القرآن فقرهم , إنما مدح عبادتهم وطاعتهم وذكرم لله عز وجل .
فالمؤمن الفقير والمؤمن الغني كلاهما يُحترمان لإيمانهم , لالفقرهم وغناهم
والانسان في الاسلام له قيمته حتى وإن كان كافراً .
* "الغداة والعشي ":
هل تعني هذه الآية أن اولئك المؤمنين يذكرون الله في الصباح ثم يمسكون بعد ذلك يعودون للذكر في المساء ؟؟
*** لا .. إنما الاية تعبير مجازي , وذكر الغداةوالعشي كناية عن استمرار الذكر
ونحن ايضا ينبغي ان نقتدي بهم لنُحسب من الذاكرين الله والذاكرات
فمثلا : تسبيح السيدة الزهراء عليها السلام , الاستغفار, الصلوات على محمدوآل محمد .......
* صلاة الغُفيلة : سميت بذلك لأن الناس يغفلون عن ذكر الله
وهؤلاء الذاكرين حين يذكرون الله فإنهم يريدون وجه الله تعالى
يقول تعالى :" كلُ من عليها فان , ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام "
الوجه : يُراد به وجه الشئ , مايواجهك ويستقبلك
" يريدون وجهه ".: أي يريدون وجه الله تعالى
يقول العلامة الطباطبائي :" وجه الله أسماؤه الحسنى وصفاته العليا .
وقال تعالى في وضع آخر :" لله الاسماء الحسنى فادعوه بها "
أي يريدو أسماء الله وصفاته .. وإلا لوقلناوجهه لدخلنا في " التجسيم " وهذا لاتعتقده الشيعة الامامية .
* يريدون صفاتاً فعلية كأن يكونوا مرحومين , منعمين ,أومرضياً عنهم ....
أو يريدون صفاتاً غير فعلية والمراد هنا ان يضع العبد نفسه موضعا تقتضيه هذه الصفة
كأن يضع العبد نفسه موضع الذلة والحقارة أمام الله المتكبر المتعالي ليطلب العزة
* " ولاتعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا "
تعدُ : تتجاوز .. اي لاتتجاوز عيناك يارسول الله
لماذا اختار العين ؟ لماذا هذا العضو بالتحديد ؟؟
رعاية لهذه الفئة اختيرت العين لأنها هي التي تدل على الرعاية والعناية أكثر من أي عضو آخر .
وهذا شئ نلاحظه جميعاحين يلقي الخطيب كلمته وينظر لأحدهم فإن هذا الشخص يشعر بالأهمية بينما من لايُنظر إليه يشعر بالإهمال , وهذا واضح في الفصل الدراسي بين التلاميذ والمدرس .
و" لا " هنا لا الناهية ... نهي عن تجاوز أولئك الفقراء ...
* " تريد زينة الحياة الدنيا "
الخطاب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم : أي لاتترك الفقراء من اجل الأغنياء وأموالهم وجاههم
* " من اغفلناقلبه عن ذكرنا "
هنا وصف لأولئك الاشراف الذين طلبوا من الرسول ترك مجالسة الفقراء
يصفهم القرآن بالغافلين
والغفلة تكون للقلب لااللسان
وإن كان اللسان ذاكراً قد تصاحبه غفلة القلب
فقد يقول أستغفر الله وهو ينظر نظرةمحرمة..في هذه الحالة لسانه ذاكر وقلبه غافل !
* "ذكرنا " هنا أضيف الذكر لله عز وجل تشريفاً
إذاً: من يغفل عن ذكر الله يُعّد من الغافلين وبالتالي حتى وإن صام وصلى يبقى غافلا ويسهل عليه ارتكاب المعصية , ولذا ينبغي أن يستمر في ذكر الله حتى لايرتكب المعصية
لأنه يحصل تنافر بين الذكر " خير " وبين ارتكاب المعاصي " شر "
الخير والشر لايلتقيان
"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه"
كأن يسعى الانسان للمال والجاه ....الخ
يصلي من أجل أن يراه الناس ويدفع الصدقة كي يمدحه الناس
يوصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباذر محذراً من هذا الأمر فيقول :
" ياأباذر احذر أن تكون خاشياً أمام الناس عاصياً بينك وبين نفسك "
* فُرطا: الافراط هو الزيادة عن الحد , الاسراف في الشئ
* " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ":
يارسول الله : قل لهؤلاء " اشراف قريش " :" هذا هو الاسلام وهذه هي تعاليمه لاتفرق بين غني وفقير وبين سيد وعبد , انماالمفاضلة بينكم بالايمان والتقى فإن ارتضيتموه دينا وإلا فلا يوجد إسلام بشروطكم هذه
" لافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى "
* إنا أعتدنا للظالمين ناراً احاط بهم سُرادقها ":
يقول في التفسير الأمثل :
هؤلاء الاشراف كانوا يسكنون الخيام ولهم طعام وشراب ومجالس ...لم يؤمنوا .....
عقابهم من جنس العمل : سُرادق : خيام من نار
* " إن يستغيثوا " : طلب الإغاثة بسبب شدة العطش وهذا بسبب عدم إيمانهم فظلموا أنفسهم وماظلمهم الله " حاشا لله ان يكون ظالما "
" يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه "
المُهل :
يقول المفسرون أنه بقايا الزيت
والبعض يقول : أنه معادن مُذابة .
صاحب التفسير الأمثل يميل للقول الثاني :
أي أن المُهل هو معادن مذابة : نحاس مذاب يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء " كماذكر القرآن ذلك في موضع آخر
* بئس الشراب وساءت مرتفقاً
مرتفقا: أي صحبة سيئة
* "إن الذين ءآمنوا وعملوا الصالحات إنا لانُضيع أجر من أحسن عملاً.."
المؤمنون كـِ " أبي ذر وسلمان وعمّار وغيرهم ....
ويدخل ضمن المؤمنين " المؤمنات من النساء "
ءآمنوا : من باب التغليب ..وإلا فالنساء داخلات ضمن الآية
الآية ذكرت : الإيمان , والعمل الصالح
فالايمان وحده لايكفي , ولابد من العمل الصالح
يقول الحديث الشريف :" ثمن الجنة العمل الصالح "
** إنّ تحتاج اسم وخبر
اسم إن : الذين ءآمنوا وعملوا الصالحات
خبر إن : إنا لانُضيع أجر من أحسن عملاً
* جنات عدن : أي جنات الخلد
تجري من تحت قصورهم انهار اللبن والعسل المصفى
يحلون فيها من أساور : جمع سوار ..من ذهب
ثياب أهل الجنة :
خضراء
سندس : حرير خفيف رقيق
استبرق : حرير سميك
* متكئين فيها على الأرائك
ارائك : جمع اريكة وهي السرير
*** نِعمّ الثواب
أما في وصف جزاء الكفار قال: بئس الشراب
وهذا في علم البلاغة يُسمى طباق
الثواب هنا عام يشمل الشراب والطعام والثياب .....
وفي وصف عذاب الكفار قال : ساءت مُرتفقاً
أما في وصف جزاء اهل الجنة قال : حسُنت مرتفقاً
وهذا طباق ايضاً
الكفار اجتمعوا بصحبة سيئة في الدنيا, فجمعهم الله بصحبة سيئة في الاخرة
أما المؤمنون فاجتمعوا على ذكر الله وعبادته وطاعته فنعمهم الله بصحبة حسنة في الاخرة
وفي الاية ... مقابلة .... بين حال الكفار وحال المؤمنين
هذا وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين وعجل فرجهم ياكريم
|