بسم الله الرحمن الرحيم
بحث حول آية إكمال الدين
{الْيَوْمَ يَـئـِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِِْْسْلامَ دِينًا} (١).
تتحدّث الآية عن يوم يتّسم بأربع خصائص مهمّة:
١ . هو يوم يئس فيه الكفّار من إلحاق الأذى بأصل الإسلام، أو النيل من قواعد هذا الدين ووجوده.
٢ . هو يوم كمُل فيه الدين الإسلامي.
٣ . هو يوم أتمّ الله سبحانه فيه نعمته على الأمة الإسلاميّة.
٤ . هو يوم رضي الله سبحانه فيه لهذا الدين أن يكون الدين النهائي الخاتم للإنسانيّة أجمع.
عندما تحتشد هذه الخصائص البارزة في هذا اليوم، ففي ذلك إشارة على أنّه أعظم يوم وأكثرها تحديداً للمصير في تاريخ الرسالة النبويّة، بل في تاريخ الإسلام قاطبة. هنا بالذات يكمن مغزى كلمة ألقاها يهوديٌّ إلى عمر بن الخطّاب وهو يشيد بجلال هذا اليوم لو كان عند اليهود.
ففي الخبر عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطّاب، قوله: إنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً !
قال: أيُّ آية ؟
قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} (٢).
ينبغي الآن أن نُطلّ على تاريخ الإسلام لننظر أيّ يوم هذا اليوم المصيري الذي يحمل تلك الخصائص الأربعة ؟ وهو إلى ذلك جدير أن يحتفي به المجتمع الإسلامي وتتّخذه الأمة عيداً !
كثيرة هي الاحتمالات التي سيقت لتحديد ذلك اليوم، بيد أنّها في الغالب لا تستند إلى وثائق تاريخيّة أو إلى نصوص حديثيّة، وبذلك ننأى عن عرضها في هذا المجال(٣). تبقي هناك فرضيّـتان تستند كلّ واحدة منهما إلى مجموعة من النصوص التاريخيّة والحديثيّة التي تعود إلى الشيعة والسنّة. والمطلوب دراسة هاتين المجموعتين من النصوص لننظر فيما إذا كانت متعارضة فيما بينها، أم هناك وجه للجمع بينهما.
والفرضيّتان هما:
١ . يوم غدير خمّ
في أحاديث الشيعة أخبار كثيرة تحدّد موضوع الآية بنصب النبيّ (ص) للإمام علي (ع) قائداً للأمة من بعده، من دون أن تُشير إلى ذكر يوم الغدير أو أيّ يوم آخر غيره. بيد أنّ هناك ما يناهز العشرين حديثاً تتحدّث صراحة على أنّ الآية نزلت يوم الغدير(٤). كما توجد أحاديث في كتب أهل السنّة تنتهي أساساً إلى أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، تُشير أيضاً إلى أنّ الآية نزلت في يوم الغدير، الموافق للثامن عشر من ذي الحجّة سنة عشر للهجرة(٥)، وهذه الأحاديث تتوافق مع القرآن، ولا مناص من التسليم بها، وإلاّ ليس ثمّة يوم يمكن العثور عليه في حياة النبيّ (ص) ينطوي على ما ذكره القرآن من خصائص غير يوم الغدير.
فبتعيين القائد المستقبلي للأمة الإسلاميّة من قِبَل الله سبحانه في هذا اليوم، اندحر الكافرون، وانقطع دابرهم، وتبدّلت آمالهم يأساً، وقد كانوا من قبل يظنّون أنّ هذا الدين متقوّم بشخص النبيّ ووجوده الأقدس، فإذا ما غاب عن الساحة انتهي أمر الإسلام، وصار إلى زوال.
في هذا اليوم تكامل منهاج الإسلام، وتمّت أطروحته لإدارة غد البشريّة، وتدبير أمر العالم كلّ العالم.
وبتبوّأ شخصيّة شاهقة متألّقة كالإمام أمير المؤمنين (ع) الذي هو عِدل النبيّ باستثناء النبوّة وتعيينه للخلافة، كملت نعمة الله سبحانه على الأمة الإسلاميّة.
وباستكمال منهاج الإسلام، وبلوغ برنامجه الذروة لتكامل المجتمع الإنساني مادّياً ومعنويّاً ; رضي الله سبحانه الإسلام ديناً لتكامل الإنسان.
ثمّة قرائن وافرة تدلّ على أنّ يوم إكمال الدين هو يوم الغدير ; فها نحن نُبصر على المسرح التاريخي لوقائع يوم الغدير عام ٠١ هـ يدَي رسول الله (ص) تضع العمامة على رأس علي (ع) في مراسم مهيبة، ثم هو ذا النبيّ يضع بنفسه برنامجاً خاصّاً لتهنئة الإمام القائد في ذلك اليوم، فينثال على الإمام الصحابة الكرام مسلّمين ومهنّئين، وهذا حسّان بن ثابت يطلع من بين الصفوف بقصيدة توثّق الواقعة(٦)، وبعد ذلك كلّه يُصار لإعلان يوم الغدير عيداً من أعظم الأعياد الإسلاميّة(٧).
فهل تدع هذه القرائن شكّاً في أنّ يوم إكمال الدين هو يوم الغدير، بالأخصّ حين تنضمّ إليها وثائق وقرائن كثيرة أخرى تاريخيّة وحديثيّة ؟
٢ . يوم عرفة
بإزاء النصوص التي سلفت إليها الإشارة هناك نصوص أخرى تُصرّح أنّ آية "إكمال الدين" نزلت في يوم عرفة بعرفات.
هذا القول هو الشائع بين أهل السنّة، وهو المعوّل عندهم، وقد روي عن عدد من الصحابة، بيد أنّ الأساس فيه هو كلام عمر آنف الذكر حين سأله الرجل اليهودي، وقد توافرت الكتب على نقله من بينها صحيح البخاري، كما مرّت الإشارة إليه.
كما ذُكر القول نفسه في بعض كتب الشيعة وأحاديثها، ونذكر فيما يلي حديثين منها مرويّين عن الإمامين محمّد الباقر وجعفر الصادق (ع):
ـ الحديث الأوّل ذكره ثقة الإسلام الكليني في الكافي، وقد جاء فيه:
"عن أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: فرض الله عزّ وجلّ على العباد خمساً ; أخذوا أربعاً، وتركوا واحداً.
قلت: أ تُسميهنَّ لي جُعلت فداك ؟
فقال: الصلاة، وكان الناس لا يدرون كيف يصلّون، فنزل جبرئيل (ع) فقال: يا محمّد، أخبِرهم بمواقيت الصلاة. ثمّ نزلت الزكاة، فقال: يا محمّد، أخبِرهم من زكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم. ثمّ نزل الصوم، فكان رسول الله (ص) إذا كان يوم عاشوراء بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال. ثمّ نزل الحجّ، فنزل جبرئيل (ع) فقال: أخبِرهم من حجّهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم.
ثم نزلت الولاية ; وإنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عزّ وجلّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} وكان كمال الدين بولاية على بن أبي طالب (ع)، فقال عند ذلك رسول الله (ص): أمتي حديثو عهد بالجاهليّة، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمّي يقول قائل، ويقول قائل فقلت في نفسي مِن غير أن ينطق به لساني فأتتني عزيمة مِن الله عزّ وجلّّ بتلة(٨) أوعدَني إن لم اُبلّغ أن يعذّبني، فنزلت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (٩).
فأخذ رسول الله (ص) بيد علي (ع) فقال: أيّها الناس ! إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلاّ وقد عمّره الله، ثم دعاه فأجابه، فاُوشِك أن اُدعي فاُجيب، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟ فقالوا: إنّك قد بلّغتَ ونصحت، وأدّيت ما عليك، فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين.
فقال: اللهم اشهد ثلاث مرّات ثم قال: يا معشر المسلمين ! هذا وليّكم من بعدي، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب"(١٠)
ـ أمّا الحديث الثاني فقد رواه العياشي عن محمّد الخزاعي عن الإمام الصادق (ع) قال:
لمّا نزل رسول الله (ص) عرفات يوم الجمعة، أتاه جبرئيل (ع) فقال له: يا محمّد، إنّ الله يُقرئك السلام ويقول لك: قل لاُمّتك: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بولاية على ابن أبي طالب {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِِْْسْلامَ دِينًا} ولستُ اُنزل عليكم بعد هذا، قد أنزلت عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحجّ، وهي الخامسة، ولست أقبل هذه الأربعة إلاّ بها"(١١).
والسؤال الآن: هل تتعارض هاتان المجموعتان من النصوص بحيث لا يمكن علاجها ممّا يتحتّم طرح إحداهما، أم أنّ الجمع بينهما ممكن ؟
مقتضي التأمّل في هاتين المجموعتين من النصوص ودراستهما بدقّة لا تُفضي إلى عدم وجود تعارض أساسي بين الاثنين وحسب، بل العكس تُفيد أنّهما يؤيّد بعضهما بعضاً من حيث الأصل، وأنّ إحداهما مكمّلة للاُخرى.
وبيان ذلك كما ذهب إليه العلاّمة الطباطبائي هو: "أنّ التدبّر في الآيتين الكريمتين: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ...} على ما سيجيء مِن بيان معناه، وقوله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} والأحاديث الواردة مِن طرق الفريقين فيهما، وروايات الغدير المتواترة، وكذا دراسة أوضاع المجتمع الإسلامي الداخليّة في أواخر عهد رسول الله (ص)، والبحث العميق فيها، يفيد القطع بأنّ أمر الولاية كان نازلاً قبل يوم الغدير بأيّام.
وكان النبيّ (ص) يتّقي الناس في إظهاره، ويخاف أن لا يتلقّوه بالقبول أو يُسيؤوا القصد إليه ; فيختلّ أمر الدعوة، فكان لا يزال يؤخّر تبليغه الناس من يوم إلى غد حتى نزل قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ...} فلم يُمهل في ذلك"(١٢).
في الحقيقة أنّ هناك تسعة أيّام فصلت بين صدور الحكم الإلهي بنصب الإمام علي (ع) قائداً للأمة بعد النبيّ (ص) وبين إبلاغ الحكم، فحكم ولاية الإمام أمير المؤمنين (ع) صدر في يوم عرفة بعرفات، بيد أنّ النبيّ (ص) أخّر إبلاغه إلى يوم غدير خمّ للبواعث التي أشرنا إليها آنفاً.
بهذا يتّضح أنّ النصوص التي لها دلالة على نزول آية الإكمال في يوم عرفة ناظرة إلى تاريخ صدور الولاية، أمّا النصوص التي لها دلالة على أنّ الآية قد نزلت في غدير خمّ، فهي ناظرة إلى تاريخ إبلاغ حكم الولاية، ومِن ثَمّ فإنّ تعبير النزول يصحّ على الطائفتين كليهما، بل هو أمر مألوف.
(١) المائدة: ٣.
(٢) صحيح البخاري: ١/٢٥/٤٥ وج ٤/١٦٠٠/٤١٤٥ وص ١٦٨٣ / ٤٣٣٠ وج ٦/٢٦٥٣/٦٨٤٠.
(٣) راجع: كتب التفسير في ظلال الآية الكريمة.
(٤) راجع: الأمالي للصدوق: ١٨٨ / ١٩٧، كمال الدين: ٢٧٦، اقبال الأعمال: ٢ / ٢٦٢ ; شرح الأخبار: ١ / ١٠٥، الغيبة للنعماني: ٦٩ / ٨، الاحتجاج: ١ / ٣٤٢، إعلام الوري: ١ / ٢٦٣، اليقين: ٢١٢، تفسير فرات: ١١٨ / ١٢٣.
(٥) راجع: كمال الدين: ٢٧٦ والغدير: ١ / ٢٣٠.
(٦) راجع: أبيات حسّان بن ثابت.
(٧) راجع: عيد الغدير في الإسلام.
(٨) من البتل: القطع (النهاية: ١ / ٩٤)
(٩) المائدة: ٦٧.
(١٠) الكافي: ١ / ٢٩٠ / ٦، تفسير العياشي: ١ / ٣٣٣ / ١٥٤، شرح الأخبار: ٢ / ٢٧٣ / ٥٨٢، دعائم الإسلام: ١ / ١٤ كلاهما نحوه.
(١١) تفسير العيّاشي: ١ / ٢٩٣ / ٢١.
موقع (( شهدُ الكلمات )) قرآنيات - أبحاث قرآنية
|